البحوث الزراعية . . حسابات الدفتر تمحل البيدر

العدد: 
15751
التاريخ: 
الاثنين, 21 أيار 2018

مع بداية السبعينيات من هذا القرن وفي حلقة من الحلقات المتصلة لتقدم العلم والتكنولوجيا بدا العالم مأخوذاً بفتح جديد أطلق عليه (هندسة الوراثة) وما يمكن أن يحققه للإنسان خاصة في مجالات الطب والدواء والزراعة.
وقد سبق التقدم في هندسة الوراثة وواكبه تقدم مفاجئ وكبير في ما يعرف بزراعة الخلايا والأنسجة وكلتاهما هندسة الوراثة وزراعة الخلايا والأنسجة وهذا ما عملت عليه وفيه مع بداية الألفية الثانية مؤسسة إكثار البذار حين أقامت مشروعاً وطنياً حيوياً لإنتاج بذار البطاطا من خلال زراعة الأنسجة بالتعاون مع شركات يابانية ووصل المشروع إلى غايته وأهدافه لكن شاءت الظروف الراهنة التي شنت على سورية أن تدمر المشروع لتحاول المؤسسة من جديد النهوض به.
وحول البحوث العلمية الزراعية قيل الكثير الكثير خلال السنوات العشرة الماضية حول دورها في تحسين الإنتاج الزراعي والحيواني من خلال استنباط الأصناف الجيدة والعالية الإنتاج والمقاومة للأمراض وفقاً لما كانت تردده الهيئة العامة للبحوث الزراعية في هذا الشأن وبخاصة محاصيل / الفليفلة ..والكوسا ..والفول في الوقت الذي لم نسمع فيه أو نقرأ عن أن الهيئة قد استنبطت أصنافاً عالية الإنتاج من محاصيل القمح والشعير والشوندر والأشجار المثمرة وكذلك في المقلب الثاني بالنسبة لما يتعلق بالثروة الحيوانية كالأغنام والماعز الشامي والجبلي وهذا يعني أن كل ما كنا نسمعه لا يتعدى التصريحات الإعلامية من باب التذكير نحن هنا بدليل منذ سنوات وهذه البحوث تعمل على إيقاف مرض الصدأ البني الذي يصيب محصول القمح ولم يتوقف إضافة إلى تدني إنتاجية العديد من الأصناف المدرجة على قائمة القمح العالي الإنتاج والذي يزرع في العديد من المحافظات .
لكن بالمقابل يقول القائمون على مشروعي البحث العلمي وتطوير الثروة الحيوانية قد قطعوا شوطاً بعيداً كل في مجاله فالبحث العلمي يؤتي ثماره في كل من حماة وسهل الغاب ومركز الكريم لتحسين سلالات أغنام العواس والحفاظ عليها في هذه الأثناء يقول المزارعون عكس ذلك فالإنتاج الزراعي هو نتيجة جهود خاصة منهم سواء لجهة وفرة الإنتاج او ثروة حيوانية عالية الإنتاج والإدرار ومن المعروف أن الأرض تعطيك مردوداً حسب ما تعطيها كما يردد المزارعون وكذلك عملية الإدرار من الحليب فالبقرة التي لا تأكل لا تعطي حليباً وافراً حتى وإن كانت من سلالات جيدة .. وهذا لا يعني أيضاً  أن البحث العلمي يجب أن ينوب عن الآخرين أو يكون بديلاً عنهم كما أنه ليس هرقل القرن الواحد والعشرين من حيث الدور المنوط بها إنه جزء من جماعة .
فعن أهمية البحث العلمي الزراعي والحيواني سيكون مضمون تحقيقنا هذا لنطرح فيه المزيد من الأسئلة يأتي في مقدمتها هل حقق هذا البحث الغاية والأهداف المرجوة منه..وهل تتناسب نتائجه والإمكانات المقدمة له ..وهل يكفي تخصيص الاعتمادات في ظل غياب الرغبة البشرية لتطوير هذا البحث أسئلة عديدة سنتوقف عندها من خلال أراء المعنيين والمزارعين وما نراه يومياً في الحقول من غلال وانتكاسات وما يعتري قطاعنا الزراعي من هموم وإشكاليات.
متطلبات التنمية الزراعية
لعل المطلب الأساسي لاستدامة التنمية الزراعية هو أن تكون في الحسبان عندما نعمل على تحقيق تنمية زراعية شاملة أو متسارعة لتحقيق الأمن الغذائي على المدى القصير ومن هذا المطلب الأساسي تتفرع باقي المتطلبات الفرعية العديدة التي هي أساساً تلاقي محددات استدامة التنمية الزراعية والمتمثلة بتوفير كل الاحتياجات الخاصة بها وفقاً للمعايير والأسس ومن خلال صياغة أنشطة التنمية الزراعية في إطار برنامج وطني طويل المدى لا لساعات كما نحتفل سنوياً بعيد الشجرة ليوم واحد ونتجاهلها طيلة العام وما تتعرض له من إقصاء وقطع وهذا لا يتوقف فقط عند تنسيق وتحفيز الإمكانات المتاحة لتحقيق معدلات إنتاجية عالية بل علينا الأخذ بعين الاعتبارات الاحتياجات المستقبلية للأجيال القادمة بصياغة وتنمية الموارد الطبيعية فالبحث العلمي والتكنولوجيا لا تنفصل عن ذلك وقد وفرت الحكومة وفقاً لما نسمعه كل متطلبات هذا البحث وفقاً لما قاله وزير الزراعة قبل أسابيع من الآن عن دور هام للبحوث العلمية في تطوير الإنتاج الزراعي.
إلا أن ما قاله لنا المهندس خضر فطوم وهو مزارع من طينة المزارعين الكبار في منطقة أصلية: إن المردود الإنتاجي لديه من القمح يعود لجهوده وحسن اختياره للأرض والعملية السمادية ومراقبة المحصول من الزراعة وحتى جني الغلة لكنه لا ينكر ولا ينفي بأن بعض أصناف القمح المعتمدة لدينا هنا في مجال محافظة حماة أكساد وشام تعطي مردوداً يتراوح بين الـ300 – 700 كغ في حين لا تعطي هذه الأرقام لدى مزارعين آخرين بل أقل من ذلك بكثير .
وأضاف فطوم:  إن الإصابة بمرض الصدأ ما زالت موجودة رغم كل ما أشيع حول استنباط أصناف مقامة لها وأعتقد بأن هذا المرض أن صحت التسمية سببه الظروف الجوية واختلافها مابين الليل والنهار مع وجود رطوبة عالية .
وأشار خضر إلى أن استراتيجية الارتقاء بالزراعة بشقيها الزراعي والحيواني لإنتاج الغذاء لابد من أن تعطي أولوية لثلاثة مداخل رئيسية : أولها الاستحواذ على التكنولوجيا باعتبارها الأداة الفعالة لتعظيم وتفعيل الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة رغم محدوديتها في كثير من الأحيان لدينا وثانيها تنمية الموارد البشرية القائمة بالتنمية الزراعية  وتحفيزها جيداً من خلال السياسة السعرية الدورية أي وفقاً لارتفاع الغذاء العالمي وثالثها المناخ الاقتصادي المحفز وهو المرتبط مع سابقة .
المستلزمات الهم والاهتمام
فراس منصور من منطقة سهل الغاب قال: لا أحد يستطيع أن ينكر دور البحث العلمي الزراعي في الإنتاجية الزراعية وبخاصة إذا تبع ذلك اهتمام ملحوظ من قبل المزارعين بتأمين مستلزمات كالأسمدة والمحروقات يضاف إلى ذلك التحفيز الزراعي لزيادة الغلة  فأغلب المزارعين لا يسمعون شيئاً عن البحث العلمي الزراعي فجل عملهم بالسليقة والممارسة والعادة فإن أقبلت خيراً يعزون ذلك لجهودهم وإن أدبرت لتقصيرهم أو يلصقونها بالظروف الجوية كما تفعل الجهات المعنية .
مشيراً إلى أن الاستحواذ على التكنولوجيا العلمية الزراعية هي المدخل الأساس لتحقيق الأمن الغذائي ولذا اقترح إقامة العديد من الندوات الزراعية والذهاب إلى المزارعين إن هم لم يأتوا .
المزارع إياد معروف منطقة مصياف قال:  منذ حاول المزارعون الإكثار من الأسمدة الكيميائية زاد من انبعاثات غاز أكسيد الكربون وتلوثت التربة إلا أن العزاء في ذلك هو زيادة الإنتاج في أقل المساحات الزراعية ما جعل جل المزارعين ينسون دور البحث العلمي الزراعي رغم أهميته .
مضيفاً بأن دور المعارف والتكنولوجيا لاستثمارات القدرات الإنتاجية المتاحة للمحاصيل النباتية والحيوانية هام لكن لا نراه ولا نسمع به فإن زاد الإنتاج في وحدة المساحة المزارعون وراءها وإن حدث العكس فالظروف الجوية وانحباس الأمطار وقلة الحظ وراء ذلك .
إلى ذلك ذكر أبو قصي مزارع من سهل الغاب أن إنتاج الدونم الواحد من الشوندر إذا قدم له كل المتطلبات من أسمدة وبذار جيد يعطي ما بين الـ5-8 أطنان وإن غابت المستلزمات تراجع الإنتاج إلى ما دون ذلك مضيفا بأن عدد قليل من المزارعين يتبعون الدورات الزراعية نظراً لتفتت الحيازات الزراعية وصغر مساحتها .
أما عاصم معروف فقد ذكر أن ما قيل لجهة الأبقار المحسنة والتي تم استيرادها مؤخرا فليس هذا الكلام صحيحاً فقد اشتريت واحدة منها فلم يكن الأمر كذلك وهذا ما أكده مربٍ آخر من بلدة الكافات حيث طلب عدم ذكر اسمه بأن البقرة التي باع قطعة أرض لشرائها لم تعط حليباً أكثر من عشرة كيلوغرامات وهذا الإنتاج تعطيعه عنزه شامية أو جبليه فأين دور تحسين السلالات وكل ما قيل عن أنها أصناف عالية الإنتاج والإدرار ؟
القلق من تراجع المساحات
لا يخفى على أحد تراجع المساحات الزراعية ليس لمحصول فحسب وإنما للعديد من المحاصيل دون التركيز على الاستراتيجي منها فهاهي رئاسة مجلس الوزراء تقول قبل أيام بأنها جادة بشراء محصول القطن بالأسعار التشجيعية دون أن تقول وزارة الزراعة بأن هذا المحصول لم يعد يحظى باهتمام المزارعين لعدة أسباب يأتي في مقدمتها حاجته الكبيرة للمياه في ظل الشح وانحباس الأمطار ففي المنطقة الوسطى يحتاج من 8-10 ريات في حين تزيد ريتين أو ثلاثة في المحافظات الشرقية على كل حال ليس هذا موضوعنا لكن أردناها إشارة الى تراجع الزراعة .
المزارع محمد محفوض قال : إنتاجي الزراعي من محاصيل البطاطا أو الرمان يعود لتجربتي الطويلة بالعمل الزراعي وفقاً لمعايير وأسس علمية حفظتها عن ظهر قلب وقد سمعت قبل أيام بأن البحوث العلمية تقول: إن نسبة المواليد في الأبقار الشامية 11 بالمائة فهل هي وراء ذلك فمن الطبيعي أن تكون نسبة المواليد لطالما هناك أبقار وبكاكير حوامل فهي ستلد عاجلا ام آجلا .
في هذا الصدد يقول الدكتور عبد الناصر العمر مدير مركز بحوث حماة الزراعية: بأن البحث العلمي الزراعي يحتاج إلى وقت طويل لتبيان نتائجه الموثوقة والقابلة للتطبيق على أرض الواقع نظراً لأهمية ذلك اقتصادياً في الوقت الذي تعتمد على فرق من العمل الباحثين لتنفيذ الخطط والبرامج مع الإشارة والتأكيد على دور القطاع الزراعي في سورية حيث يقدر عدد العاملين فيه إلى أكثر من 54 بالمائة من عدد السكان وتشكل الأراضي القابلة للزراعة حوالي 33بالمائة من إجمالي مساحة القطر ومع ذلك لا أحد يستطيع أن ينفي تذبذب الإنتاج الزراعي من سنة إلى أخرى تبعا للظروف المناخية مضيفاً نقطة في غاية الأهمية مؤداها أن 85 بالمائة من المياه العذبة تذهب لسقاية المزروعات ومياه الأمطار ما يجعل المردود متأثراً بالمعدلات المطرية والتقلبات الحادة للمناخ سواء أكان مروياً أم بعلياً .
وعن متوسطات إنتاج وحدة المساحة رغم ما يقال عن دور البحث العلمي الزراعي أوضح العمر: أن أغلب هذه المتوسطات الإنتاجية لأغلب المحاصيل في وحدة المساحة منخفضة لدى المزارعين ويرجع السبب والكلام ما زال لمدير مركز بحوث حماة الزراعية الى الزراعات البعلية بالدرجة الأولى وعدم تطبيق الحزم التكنولوجية العلمية كالأسمدة والبذار المحسن ومواد المكافحة والمكننة الحديثة من قبلهم .
نعود لنسأل هنا يكمن دوركم كبحوث علمية زراعية ما ذا قدمتم في هذا الصدد؟  نقدم الارشاد الفني والنصح للفلاحين بعدم المغالاة بالبذار والأسمدة بحثاً عن المزيد من الإنتاج .
مئات التجارب البحثية
فيما يتعلق بالتجارب البحثية على الشقين النباتي والحيواني أوضح مدير مركز بحوث  حماة الدكتور عبد الناصر بأن العام الماضي تم إجراء 180 تجربة على مختلف الأصناف النباتية إضافة إلى أربع تجارب لدائرة الوقاية في مجال الأعشاب والمبيدات والحشرات الضارة  التي تفتك بالمحاصيل وزاد على ذلك أن المركز أقام عدة بحوث في منطقة برشين حيث التفاحيات التي تتعرض للعديد من الإصابات الحشرية .
وماذا عن قطاع تطوير وتحسن سلالات الثروة الحيوانية ؟
في هذا المجال تم تنفيذ 7 تجارب في محطة بحوث الماعز والأغنام العواس شملت تجارب التربية والتحسين الوراثي والتغذية والأعلاف والصحة الحيوانية بهدف تحسين إنتاجية الحليب للإخوة المربين ..هل من توضيح أكثر ؟
يجيب الدكتور العمر : لدينا أفضل وأحسن الكباش لغنم العواس وكذلك تيوس الماعز حيث تم توزيع 31 كبشاً و11 تيساً من الماعز الشامي من خلال مشاريع التنمية الزراعية في القطر .
أين كل ذلك على أرض الواقع ؟
هنا يجيب الدكتور بهاء الرهبان معاون المدير العام للهيئة العامة للبحوث الزراعية بدمشق الذي شاركنا أطراف الحديث هنا في حماة قائلا : إن ما أصاب سورية جراء الأزمة لم يسلم منه قطاعاً حيث كنا قد وصلنا لمراحل متطورة على كل الصعد تمثل في تحقيق   الاكتفاء من الأمن الغذائي في معظم المنتجات ولا سيما القمح منها بل كنا نصدر الفائض منه لكن ما حدث من إرهاب لخبط كل الأمور وبدأ يتراجع الإنتاج في وحدة المساحة  خذ مثالاً مشروع إنتاج بذار البطاطا الاكثارية  ولا ننفي هنا إلى أننا قدمنا كل ما هو مطلوب في ظل الأزمة حيث لوحظ انخفاض كميات الإنتاج في كل المحاصيل وقد يكون السبب لنقص المستلزمات كالأسمدة والمحروقات وهجر عدد كبير من المزارعين العمل في الزراعة .
مضيفاً: بأن العودة وبقوة لتوفير هذا الإنتاج وتصدير ما يزيد عن الحاجة لابد من التركيز على هذا القطاع الزراعي وإيلائه كل الرعاية والدعم وتوفير مستلزماته وهذا ما توليه الحكومة في الوقت الراهن من خلال رفع قدرة الموارد البشرية واستثمار كل المساحات المتاحة للزراعة كما أعدت الهيئة العامة للبحوث برامج عمل لمحطات الثروة الحيوانية والتحسين الوراثي للعروق والسلالات الحيوانية المحلية أغنام ..ماعز أبقار شامية ..والجاموس ..والأبل .
وأين استنباط القمح المقاوم ؟
المزارعون ما زالوا يؤكدون بأن التجارب العلمية الزراعية بعيدة كل البعد عنهم وما تزال مأساتهم الزراعية تتكرر سنوياً هي ..هي لجهة الإصابة بالأمراض وقلة الإنتاج في وحدة المساحة فكيف تفسرون ذلك ؟
يقوم البحث العلمي باستنباط أصناف جديدة من القمح والبقوليات عالية الغلة ومقامة للأمراض بما فيها الصدأ الأصفر وذات صفات نوعية جيدة للمناطق المروية والبعلية عالية الأمطار وأصناف أخرى متحملة للجفاف من خلال قيام الباحثون باستخدام تقنيات عالية ونتائجها ستكون خلال السنوات القليلة القادمة من خلال تهجين القمح والبقوليات وقد تم تنفيذ العديد من هذه التجارب في بساتين المزارعين مثل أصناف القمح دوما 6 والذي بلغ إنتاج الهكتار الواحد منه 4200 كيلو وصنف بحوث 10 بإنتاجية 6370 كغ في الهكتار والواحد متحمل للصدأ الأصفر علاوة على أصناف شام واكساد .
الخلاصة : ما سمعناه من المعنيين عن البحث العلمي الزراعي لم يؤكده المزارعون بل استغرب الكثير منهم صحة وصوابية ما قالوه لجهة الانتاج العالي فإذا كان الهكتار يعطي قمحاً 5370 كيلو غراماً فهذا يعني أن نصيب الدونم الواحد 357 كيلو غراماً وهذا في حده الأعلى  في الوقت الذي يجب أن يعطي الدونم ما بين الـ 800- 900 كغ في الحقول الاكثارية البحثية فكيف إذا كان في الحقول المفتوحة ؟
لا ننفي جهود القائمين على البحث العلمي الزراعي بشقيه النباتي والحيواني  وما شاهدناه في مركز بحوث حماة يشي بالكثير من التجارب على العشرات من المحاصيل ومع ذلك لا نجامل هؤلاء المعنيين فما زالت الفجوة كبيرة وبعيدة بين ما يقدم لهذا البحث وبين ما ينتجه على أرض الواقع ومن يشكك بذلك فعند جهينة المزارعين  الخبر اليقين .

المصدر: 
الفداء ـ محمد فرحة