على ضفاف العاصي : المغفرة والعذاب بين الدنيا والآخرة

في رمضان يحلو لي الاقتباس من الحديث والقرآن ذلك أنه ورد في الحديث الصحيح أن رجلاً لم يفعل خيراً في حياته أبداً إلا مرةً واحدةً أزال الشوك من طريق المسلمين فغفر الله له فيها وفي الحديث الآخر الصحيح أن امرأة باغية أي تمارس الزنا سقت كلباً يلهث من العطش بخفها فشكر الله لها وغفر لها يقول تعالى : (قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً)  ، وفي أية ثانية (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر بعد ذلك لمن يشاء )، وفي الحديث القدسي عن المولى تعالى ( ياعبادي لو جئتموني بملء الأرض خطايا واستغفرتموني لجئتكم بملء الأرض مغفرة ولا أبالي .
 والحقُّ أن هذا الكلام حول رحمته تعالى في خلقه وغفرانه لهم فيما يخص الآخرة ذلك أن الله أنزل واحداً بالمئة من رحمته إلى الدنيا ، وادخر تسعاً وتسعين بالمئة إلى الآخرة وهو أرحم بالأم العطوف على ولدها ولكن لقوانين الحياة – ياسادة – أسبابها ومسبباتها عند الشارع العظيم فالذنوب تستوجب العذاب في الدنيا وما يؤكد ذلك قوله تعالى : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) ، وقال أيضاً : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ، وقال أيضاً : ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضُرٍّ للجُّو في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) ، فالبلاء يرده الدعاء والتضرع إلى الله يقول الرسول الكريم حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء ومعروف أن المصائب تنزل من السماء كالجبال فتتعارك مع الدعاء فإما أن يذيبها أو أن يفتتها فتنزل كالهيئة التي وقعت فيها وبالمناسبة فإن الدعاء في رمضان مستجاب بإذنه تعالى وما جاءت الآية الكريمة :( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ).
نقول ما جاءت هذه الآية عقب آيات الصوم وملاصقة لها إلا لتأكيد معنى أن الدعاء في الصوم مستجاب فأكثروا منه في هذا الشهرالكريم لعلّ الله يرفع البلاء عن بلدنا الحبيب .
يقول الرسول الكريم ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة والتوبة تستوجب الاستغفار والإقلاع عن الذنب والندم عليه والتضرع إلى الله وحول هذا المعنى يقول الباري مخاطباً نبيه الكريم ( وماكنا معذبيهم وأنت فيهم وما كنا معذبيهم وهم يستغفرون ) وفي آيات أخرى ( قلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهارا مالكم لاترجون لله وقارا ) وإذا كان الاستغفار يدفع العذاب كذلك التسبيح ودليل ذلك أصحاب الجنة أو البستان في سورة القلم (فانطلقوا وهم يتخافتون أن لايدخلها اليوم عليكم مسكين يقول تعالى : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) ، وكذلك ذا النون حين لم يصبر على قومه التقمه الحوت ، (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ، وفي آية أخرى
( لولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ، وكذلك أنجيناه وكذلك ننجي المؤمنين) .
وهنا من المفيد التذكير أن صلاح الوالدين أو أحدهما يفيد الأبناء في الدنيا ولو كانوا عصاة ويشملهم الله برحمته لهذا السبب وهذا ما أكده المولى في حوار الخضر مع موسى ( أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزلهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك )، وبالعموم فإن العذاب في الدنيا قد يكون لرفع درجات العبد عند ربه يقول تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) وفي الحديث الصحيح أن الله يستحي أن ينصب ميزاناً يوم القيامة لعبدٍ صابر وفي حديث آخر عجبت لأمر المؤمن أمره كله خير إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإذا  أصابته ضراء صبر فكان خيراً له حتى الشوكة يشاكها له فيها أجر ولايكون ذلك إلا للمؤمن .

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15752