طهارة اللسان

في رمضان تحدوني الرغبة للحديث عن طهارة اللسان ، فإذا كان صونه مستوجبٌ في كلّ وقتٍ ، وفي كل حين فإن صونه مستوجبٌ أكثر ثم أكثر ثم أكثر في رمضان ذلك أنه ( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش )وكل ذلك بمد عينيه ولسانه وتحريكه فيما حرّم الله من غيبةٍ ونميمةٍ ، وسواهما . 
يقول الرسول الكريم محمد ( ص ) : ( إن من حسن إيمان المرء تركه ما لا يعنيه ) . 
ويقول عزّ من قائل مصوراً بشاعة الغيبة والنميمة : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) . 
ومن أسفٍ أن الكثير من الناس لا يجدون حديثاً في مجالسهم وسهراتهم إلا ذمُ هذا ، وقدح ذاك ، والنميمة على تلك ، وهذا في الحقيقة سخفٌ وفجورٌ لا يليق بالناس المحترمين المتنورين بل إنه لايليق حتى بالناس الجُهل السُذج البويهميين ، وحول هذا المعنى يقول تعالى : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) . ويقول عز من قائل : ( الذين هم عن اللغو معرضون ) . 
نميمتك تدنس بها طهارة لسانك ، وتفسد بها صيامك ، وحديثك فيما لا يعنيك تدنس طهارته أيضاً ، فهل تريد أن تحسب نفسك صائماً ثم تفسد صيامك ، وتذهبه بكلامٍ تستطيع أن تمتنع عنه بقليل من الانضباط ، وقليل من التعقل ، وشيء من الهدوء والرذينة . 
ولنا أن نتخيل مدى الضرر والأذى الذي يلحقه اللسان بصاحبه والمصير الذي ينتظره في نار جهنم حين نستمع إلى الرسول الكريم ومعاذ بن جبل حيث قال معاذ : أوصني يا رسول الله قال : أمسك عليك لسانك ، قال أوصني يا رسول الله قال : أمسك عليك لسانك ... قال : أوصني يا رسول الله قال : أمسك عليك لسانك . قال معاذ : وهل نحن مآخذون فيما نقول يا رسول الله .. ؟ 
قال : ويحك يا معاذ ، وهل يكبُ الناس على وجوههم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم . 
وفي الحديث الآخر . .  قالوا يا رسول الله هذه المرأة تصوم نهارها ، وتقوم ليلها ، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها ، قال (ص) : هي في النار . 
إذا تكلم أحدكم فليقل خيراً ، أو ليصمت هذه وصية آخرى ممن ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌّ يوحى ) مبيناً ( أن المرء يتكلم بكلمةٍ لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ) . 
وإذا كان للكلمة ميزان يوم القيامة ، فإن للكلمة ميزاناً أيضاً في الحياة الدنيا، وكم تشعر بالحرج حين يعاتبك إنسانٌ أنك قد اغتبته .. ؟ وكم ينتابك الخجل حين يردُّ إليك شخصٌ وصفاً كنت قد نعتهُ به في غيابه بعد أن تناهى إلى سمعه .. ؟ 
لذلك قال الشاعر حول هذا المعنى ، وما يرتبط به : 
لسانك لا تذكر به عورة امرئ     
                                    فكلك عوراتٌ وللناس ألسن
ومما يؤسف له أن هذا الكلام السالف قد يكون أحياناً بين أصدقاء وقرناء ، وقد يكون كلامُ أخٍ عن أخيه ابن أمه وأبيه بين جلساء غرباء ! ! . 
وإذا ضقت ذرعاً ــ أيها الانسان ــ بسلوك من تصلك به هذه الصلة أو تلك ، وأخذت عليه ملاحظات قد تنتقده الناس بشأنها فليكن كلامك حسناً جميلاً وليناً بينك وبينه دون أن يكون بينكما ثالث لكي تأخذ النصيحة مجراها ، وتصل إلى مرماها وفؤادها ، والنتيجة المأمولة منها . 
طبعاً ، هذا إذا كان يتقبل النصيحة ، أما إن لم يكن يتقبلها فأمسك عليك لسانك ، وإكظم غيظك ، واستغفر لما أسلفت من ذنوب كانت بسبب لسانك قبل يدك ورجلك . 

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15757