أبطال الديجيتال

 تنفستُ الصعداء, عندما أدركتُ أن حلقات (أبطال الديجيتال) قد شارفت على الانتهاء, فمنذ أن بدأ بثها على إحدى الأقنية الفضائية المجاورة, وأنا محروم من متابعة الأخبار المحلية والعربية والعالمية, وممنوع من مشاهدة البرامج السياسية والثقافية والعلمية. فأولادي  الصغار يتحلّقون حول جهاز التلفاز في الوقت الذي أعود فيه إلى منزلي, أي في الوقت الذي أمنّي فيه النفس بقسط من الراحة بعد عملي في العيادة, وأمنّيها  أيضاً بشيء من  التعويض عما فاتني من أخبار ومتابعات ثقافية متنوعة.
 ومما يزيد المشكلة تعقيداً.. أن أولادي لايكتفون بالمشاهدة التلفزيونية, فقط، بل يتعدونها إلى تطبيقٍ عمليٍّ على أرض الواقع, فهم يجسدون  أدوار أبطال الديجيتال, ويعبّرون عن مواقفهم بالقفز والصوت والصراخ  والعراك!
  ولكم أن تتصوروا حال الغرفة عقب الانتهاء من كل حلقة, فمع قول أحدهم: ( تعال ياشمشون ) وإجابة الآخر: ( الوحش الرقمي قادم!) .. ويتحول المكان إلى حلبة صراع, فتبدأ  الاشتباكات, وتتوالى الصيحات, ويهتز  نظام البيت, وتنهال القذائف هنا وهناك, ويُجتث  الهدوء  من جذوره، وينقلب مافي الغرفة رأساً على عقب! والويل لي ولزوجتي إن نطق أحدنا بحرف, إذ إن أي اعتراض من قبلنا كفيل بأن يؤلّب علينا هؤلاء الأولاد جميعاً!.
 أعود فأقول : تنفستُ الصعداء, لأن الوقت قد اقترب, مع اقتراب الحلقة الأخيرة .. بضعة أيام فقط, وينتهي كل شيء , أجل، ينتهي المسلسل الذي لم أجد له لوناً ولا طعماً ولا رائحة, فلا هو بالبرنامج العلمي الذي يعطي معلومات حقيقية , ولا هو بالبرنامج الكوميدي الذي يقدم مواقف تثير الضحك أو تبعث على الابتسام, ولا هو بالبرنامج الاجتماعي  الذي يناقش  بموضوعية سلوكيات الأطفال وعلاقاتهم الجدية مع الوسط الذي يعيشون فيه .. بل هو  مجموعة من المواقف المضطربة, واللقطات الغرائبية اللامعقولة, والمشاهد المركبة والمفتعلة التي لاتمتّ إلى الحقيقة بصلة!!
 وجاءت الحلقة الأخيرة، أخيراً.. ولكن، جاءت معها مفاجأة لم تكن في الحسبان أبداً, فقد أعلنت تلك القناة عن جزء جديد ثالث لهذا المسلسل الخارق! وقد ساقت هذا الإعلان إلى المشاهدين  الصغار, وكأنها تزف إليهم بشرى تستوجب فرحهم وتهليلهم!!.
 هكذا أعلنوا ..؟ أما ماذا فعلت أنا.. فلا حاجة لذكره, لأنني لا أريد أن أثير فيكم شعور الشفقة على أولادي, بعد أن صببت عليهم جام غضبي.. ولا أريد ـ في الوقت ذاته ـ أن أحرك لديكم دوافع القلق ونوازع الأسى إزاء ما جرى لجهازي , أعني لــ .. تلفزيوني الحبيب!!

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15758