الإجازات المرضية . . أسهل الطرق للغياب المشروع

العدد: 
15763
التاريخ: 
الأربعاء, 6 حزيران 2018

يبدو أن التقارير الطبية أصبحت الوسيلة الآمنة والفاعلة من الناحية النظامية للغياب عن العمل، خصوصاً وأن القانون قد شرّعها لتكون من ضمن الإجازات التي تعد حقاً من حقوق الموظف، لذلك يلجأ الكثير من الموظفين إليها، غير مكترثين بتعطيل مصالح الناس وشؤونهم، أو تعطيل دورة العمل أياً كان حجمها وأهميتها.
ولعل السبب الرئيس في هذه الظاهرة هو سهولة الحصول على التقرير بدون الحاجة لوجود مرض ما، فكل ما عليك فعله هو شراء ورقة التقرير ثم الذهاب إلى طبيب تعرفه، أو لأي طبيب آخر تدفع له معاينة، ليمهرها بتوقيعه المبجل، وهذا طبعاً سيكون سبباً للتخلص من أي تبعات قد تترتب على غيابك وإهمالك مسؤولياتك.
ويعد التلاعب في منح الإجازات المرضية، خصوصاً التي لا تتجاوز مدتها سبعة أيام، من الظواهر التي لا يمكن ضبطها إجرائياً بشكل تام، وتعتمد صحتها على تحلي كل من الطبيب والمريض أو المتمارض بالانضباطية، وتؤكد ظاهرة الإجازات الطبية الوهمية أن الأمانة والأخلاق شرطان أساسيان لتحمل المسؤولية وإسناد سلطة القرار لأي شخص في القطاع الطبي، حيث بغيابهما تصبح القوانين والنظم الرقابية والتنظيمية مهما بلغت من الدقة عاجزة عن قطع يد الغش والتلاعب في هذا مجال.
أمانة ومسؤولية بداية علينا التأكيد بأن العمل بمجمله يعد أمانة ومسؤولية تعنيان الانضباط والتزام الشروط التي وقع من خلالها الموظف على مباشرة العمل في أي منشأة، وهو يتسلم مقابل ذلك مبالغ غير منقوصة، وإن هناك من الموظفين المتحايلين من يأتي بتقارير طبية مزورة، وبالتالي يرتكب هذا الموظف خطأين, الأول الغياب غير المبرر، والثاني الجرأة في ارتكاب جريمة التزوير في وثائق رسمية، أما الشيء الآخر فهو ما ينجم عن ذلك من تعطيل لمصالح المواطنين، الذين ينتظرون الساعة والدقيقة للحصول على حقوقهم من وقت هذا الموظف مهما كانت وظيفته، ولا بدّ أن تتبع الإدارة الخدمية الحازمة ما يمكنها لوقف مثل هذه التصرفات والقضاء عليها، ما سيدفع بها إلى التخلص من هؤلاء الموظفين غير المبالين والمكترثين بمسؤوليات ومتطلبات أعمالهم الوظيفية.
ضمنها القانون
وسيلة سهلة وآمنة ضمنها القانون حيث تنص المادة «48» من القانون الأساسي للعاملين في الدولة إنه: يحق للعامل خلال كل عام من خدمته، أن يتغيب لأسباب صحية لمدة «200» يوم «متصلة أو منفصلة» يتقاضى خلالها: 80% من أجره عن الثلاثين يوماً الأولى. وأجراً كاملاً عن المئة والسبعين يوماً التالية.
هذا النص القانوني الواضح الذي يضمن حق العامل في الحصول على الإجازة المرضية، هو ما حدا ببعض الموظفين بالتلطي خلف هذا القانون والاستعانة به للحصول على الراحة بدون عناء، وهناك بعضهم الذي خبر كيفية التحايل على هذا القانون، ومن خلال ما سمعنا وشاهدنا لما يحصل في بعض الدوائر فهناك من يحصل على هذه الإجازات المرضية كاملة، وخصوصاً إنه وكما هو واضح في القانون أن الثلاثين يوماً الأولى فقط يتم فيها الاقتطاع من الأجر، فيما لا يحسم من أجر العامل بقية إجازاته المرضية خلال العام، وهو ما يسمح لبعضهم بالتسيّب الوظيفي قانونياً!!.
ضمير مهني يرى الكثير من الموظفين الذين التقيناهم بأن ظاهرة التقارير الطبية لفئة المتمارضين تعود لغياب الضمير المهني لدى المتمارضين والطبيب المتساهل المانح للتقارير، ونتيجة قلة الوعي وانتشار الثقافة المضْعفة لقيَم العمل والقاتلة للإبداع، ما جعل البطالة المقنعة تنتشر في كثير من المواقع الوظيفية، أما ما هو أخطر فقضية التساهل بالإجازات الوهمية في قطاع التعليم بشكل خاص، لأن ذلك يشكل تلاعباً بمستقبل الوطن وهدماً لطاقاته الشبابية، أما بالنسبة للمواقع الوظيفية الأخرى فكما هو متعارف عليه يصعب أن نجد في دوائرنا الرسمية من ينوب عن الموظف المختص إذا كان في إجازة، ما يسبب في معظم الأحيان تعطيلاً لمعاملات المواطنين الذين لا يجدون غير الدعاء بالشفاء العاجل جداً, لهذا الموظف ليعود إلى عمله وينهي معاملاتهم, لكن ذلك مستحيل في ظل تكامل طرفي معادلة التمارض التي يباركها توقيع الطبيب المانح.
طبيب يداوي الناس وهو....
إن الإجازات التي يحصل عليها بعض الموظفين من قبل عدد من الأطباء بدون وجود دواعي مرض حقيقية، تعدُّ نوعاً من التجارة، وهي نوع من عدم النزاهة،لأنهم يستخدمون صلاحياتهم في عمل ضار بالمجتمع، فمنح الإجازة بدون وجه حق يتسبب في تأخير إنجاز المعاملات, وبالذات إذا كان الموظف يعمل في قطاع الخدمات، ولكن هل نستطيع أن نلقي باللوم على الطبيب دائماً، وخاصة بأن هناك بعض المتمارضين الذين يعرفون كيف يمكنهم خداع الطبيب وجعله يتعاطف مع حالتهم، وإن كنا نتحدث في كل مرة عن هذه الإجازات الوهمية، فمن الأجدى أن نعطي حلاً واقعياً لها، وهو ما يمكن أن يكون شبه مستحيل، لأن كل التجارب التي تمّ العمل بها أثبتت فشلها، وما لجان فحص العاملين سوى إحدى هذه التجارب الفاشلة مع معرفتنا المسبقة بكيفية الفحوص المتبعة، ودخول الفيتامينات والواسطة والمعرفة المسبقة إليها.
لا ننكر إنه وفي بعض الأحيان يضطر الموظف إلى أخذ إجازة مرضية نتيجة للإجهاد من ضغط العمل، وبالأخص للعاملين في القطاعات الإنتاجية والتي تتطلب أعمالهم جهداً خاصاً، أو أنهم يتعرضون لمواد كيماوية أو غيرها أثناء العمل، وبالتالي يضطرون إلى هذا النوع من الإجازات لهذا فعلينا عدم التعميم على جميع الإجازات المرضية، وقد اشتكى بعض الموظفين الذين يعانون من أمراض معينة أنهم عندما يتقدمون بالإجازة المرضية فإنها تجابه بالشكوك لفقدان الثقة من الإدارات التي يعملون بها لتكرارها من قبل الموظفين، وهذا ما يجعل الموظف الصادق في مأزق, لأن المتمارضين يأكلون الدجاج ويعلق المرضى الحقيقيون بالسياج.
الحل إدارياً....
قد يكون الحل من خلال بعض التشدد الإداري في متابعة الإجازات المرضية والجهات المانحة لها، للحد من الإسراف فيها حتى لا ينعكس ذلك بصورة سلبية على إنتاجية الموظف، التي هي في الأصل لمثل هذه النوعية منهم متدنية، لكونهم لا يؤدون أعمالهم على النحو الأكمل, بعد أن شغلوا أنفسهم بالتسابق على الإجازات المرضية،، من خلال معاقبة المتمارض، وتقديم الحوافز للموظف المنضبط، حتى لا يشعر بالغبن عندما تسند إليه أعمال المتمارضين ليتولى إنجازها. وقد تستطيع الإدارات من خلال سجل العامل معرفة عدد الإجازات التي حصل عليها، وعلى أساسه يتم اتّخاذ الإجراءات الخاصة بحقّه كحسومات من الراتب أو ما شابه ذلك، وكذلك بالنسبة للموظف الذي لم يتبع هذا الأسلوب فإن مكافأته هو الحل والإنصاف.
يتوقف على أمانة الطبيب من جانبهم شدد عدد من الأطباء الذين التقيناهم، على أن التصدي لظاهرة منح الإجازات المرضية الوهمية يتوقف على الأمانة المهنية للطبيب، وولائه للقسم الطبي الذي أقسمه في بداية حياته المهنية. وأشاروا إلى وجود بعض الظروف الخاصة التي يقف الطبيب عاجزاً أمامها، ولا يستطيع كشف إدعاءات المتمارضين خصوصاً في حالات الأمراض النفسية والعصبية، كذلك بعض الأمراض التي لا يوجد لها عوارض عضوية مثل الصداع أو حالات التشنج العصبي، وبالتالي يجد الطبيب نفسه ملزماً أن يصدق المريض ويمنحه إجازة مرضية لمدة قصيرة تتناسب مع هذه الأمراض.
ونلفت إلى صعوبة التلاعب بالإجازات المرضية الطويلة الأمد، لأن تقديرها لابد أن يستند إلى معطيات دقيقة وكشوف طبية موثقة، تبين الحالة المرضية التي تم على أساسها منح الإجازة، وهذه التقارير لابد أن تمر على لجان متخصصة تقوم بدورها بالتأكد من حالة المريض الصحية، وبالتالي يصبح مجال التلاعب من قبل أي طبيب في تحديد مهلة الإجازة ضيقاً جداً بل يكاد يكون معدوماً.
الخبرة الطبية تكشف المتمارض فيما أكد لنا بعض الأطباء أنه بإمكان أي طبيب اكتشاف ادّعاء أي مراجع متمارض، وذلك بقليل من التدقيق في كلام وتصرفات المراجع، وأسلوب طلبه للإجازة أو تعبيره عن الحاجة للراحة، فمثلاً عندما يأتي مريض ويطلب مباشرة إجازة للراحة قبل الاهتمام بالألم الذي يدّعي معاناته ,فإن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير لاكتشاف دوافع زيارة المريض للطبيب.
ورغم وجود حرفية لدى بعض المتمارضين في التمثيل وادّعاء الأعراض المرضية، وإلى أن هذه الفئة تعرف تماماً إلى أي نوع من الأطباء المتخصصين يجب التوجه، متسلحة بالمعرفة التامة بأعراض المرض الذي تدّعي معاناته، وقدرة فائقة على استثارة تعاطف الطبيب معها.
أما بالنسبة للإجازات التي تحصل عليها العاملات فيقول الأطباء المختصون بالأمراض النسائية والتوليد: إن اختصاصهم يجعلهم في منأى من التعامل مع المراجعات المتمارضات، وذلك لأن جميع الأمراض التي تندرج تحت تخصصهم واضحة المعالم وتستند إلى عوارض يمكن اكتشافها خلال عملية الفحص، بما لا يدع مجالاً أمام المريضة للتحايل. وإن ظاهرة المتمارضات تنشط في الأيام التي تأتي بين عطلتين رسميتين، كأن تنتهي مثلاً عطلة عيد الفطر يوم الثلاثاء، فيحاول عدد كبير من الموظفين الذين لا يملكون رصيد إجازات الحصول على إجازة مرضية خلال الأيام المتبقية من أسبوع العمل بهدف وصل الإجازة لمدة أسبوع كامل.
نظام جديد نستطيع التأكيد بأننا نحتاج إلى نظام جديد لتحديد الإجازات المرضية، سواء من الإدارات أم من خلال مراقبة الإجازات المرضية التي أصدرها كل طبيب، وهو ما يساعد على الكشف عن أي طبيب يصدر عدداً غير منطقي من الإجازات المرضية، ويتم مراقبة هذه الأرقام من قبل لجنة التدقيق في الإدارة المعنية، وفي حال تسجيل أي طبيب لأي أرقام عالية من الإجازات يتم التدقيق في طبيعة تخصصه، وكذلك جهة عمل المرضى، للتأكد من عدم وجود أي تلاعب في ذلك.
يمكن أن يكون من الصعب تقييد الموظف والطبيب من جهة الإجازات المرضية، ولكن على الطبيب في حال طلب منه المريض إجازة مرضية أن يكون كالقاضي الذي يحكم بالبيّنة والبرهان، فلا يمكن تكذيب المريض إلا بدليل، وكذلك لا يمكن تصديقه إلا استناداً للوقائع والأدلة الطبية، وعلى الطبيب تحكيم عقله وضميره عند اتخاذ قراره سواء بمنح الإجازة أو عدمه وأنه بالقدر الذي يجب فيه على الطبيب تقديم أفضل الرعاية لمرضاه، وإظهار أكبر قدر من الاحترام لهم والتعاطف مع حالاتهم المرضية، فإنه بالمقابل مطالب بالتصدي بحزم لكل مدعٍ للمرض يريد التهرب من مهامه الوظيفية، ومن الأهمية بمكان سنّ ضوابط أكثر صرامة للحد من الإنفلات المتمثل في استغلال العلاقات والمعارف في المراكز الصحية والمستشفيات، كواسطة للحصول على رخصة طبية تمنح الموظف المتمارض إجازة تتحكم في مدتها هذه العلاقات، من دون حول أو قوة من الطبيب المتخصص، الذي يكتفي بختم اسمه على الإجازة، رغم علمه بأن من يقف أمامه شخص كاذب حضر لعيادته من أجل الحصول على شهادة تمكنه من التهرب من مسؤوليته الوظيفية.
أما بالنسبة للموظفين الذين يعمدون إلى محاولات عدم استنفاد إجازاتهم السنوية، واتباع هذا النوع من التمارض، الذي ينطوي على أبعاد سلبية كثيرة، سواء على مستوى العمل، أم حتى على السلوك العام للموظف، فهم من جانب يسبّبون خسارة للمؤسسة التي يعملون فيها، نتيجة لتغيبهم لفترات طويلة عن عملهم، ما يراكم كمية العمل على زملائهم، ومن جانب آخر يفقد الموظف بهذه الطريقة ثقة المؤسسة بمصداقيته.

 

المصدر: 
الفداء - فيصل يونس المحمد