لاتنسوا الفقراء أيها الميسورون (2 من 2)

 تحدثت في الحلقة الأولى من هذا العنوان الذي بين أيديكم عن غلاء المعيشة مما وسَّع دائرة الفقراء والمحتاجين من جهة, وزاد حاجاتهم من المستحقات والمصاريف التي تضمن  لهم عيشاً في حدوده الدنيا من جهة ثانية، الأمر الذي يستوجب  زيادة في السخاء، وزيادة في العطاء من قبل من أنعم الله عليهم.
  كما تحدثت عن النعيم الذي أعده الله في جناته للمنفقين والمتصدقين على الفقراء والمساكين ومضاعفة أموالهم ومباركتها في الدنيا وأوردت بعض آيٍّ  من الذكر الحكيم التي تبين ذلك وتثبته.
 وفي هذه الحلقة نبدأ من حيث توقفنا في الحلقة السابقة من أن ليرات قليلات ربما يسبقن في ثوابهن وأجرهن آلاف وآلاف الليرات التي أريد بها منناً ومباهاة واستكباراً, ورياءً، يقول عزَّ شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى..) البقرة ـ الآية (264) ويقول أيضاً : ( قولٌ معروفٌ ومغفرةٌ خيرٌ من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) البقرة ـ الآية (263) ويقول الرسول الكريم محمد (ص) : (رب درهم سبق ألف دينار ) والدرهم  ـ ياسادة ـ يساوي ثلاثة غرامات فضة أما الألف دينار فتساوي أربعة كيلو غرامات ذهب وأكثر بقليل وذلك مرتبط بالمقدرة على البذل والعطاء وبالإخلاص أيضاً ،ومثلما طالب الشارع العظيم المزكِّي  أو المتصدق بألاّ يمنن ولايؤذي طالبه أيضاً بالإنفاق من أطايب ماله, ,وأجود رزقه وثمره, وليس أخسِّه   وأرداه، وهذا معنى قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومماأخرجنا لكم من الأرض ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا  فيه واعلموا  أن الله غنيٌ حميد) البقرة (267)
 ومرد ذلك في الحالتين: قدم المن والأذى في الحالة الأولى, والإنفاق من أطايب الرزق في الحالة الثانية لتعلم أيها المزكّي والمتصدق أنك تعطي  من أجل الله وحده, وفي سبيل مرضاته, والله لايليق  بقدره وجلاله لاهذه , ولاتلك , هذا من جهة , و من جهة ثانية حفاظاً على كرامة المتصدق عليه وصوناً لخاطره من أيِّ سوءٍ قد يشوبه, ومن أدنى خجل قد يعكر نفسه ويشعره بالدونية والانتقاص.
  ولقد ورد في الحديث القدسي أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه.
 وأخيراً نسأل: ألا يرضيك أيها الإنسان كل هذه الميزات  عند الباري سبحانه وتعالى بإطعام  فقير بائس , جائع, ماذا ستأخذ معك إلى القبر أيها الغني سوى عمل الخير وبر الفقراء والمحتاجين؟!
  وإذا كنت ـ أيها الإنسان ـ لايهمك كل ذلك , ولاتحسب له حساباً, واستبد بك حبُّ المال, وألهتك  الدنيا عن الآخرة أليس عندك نبضاً إنسانياً يحرك فيك عروق البذل و السخاء على أخٍ لك في الإنسانية يحارُ من أين سيؤمن لأطفاله طعاماً يقيهم الجوع ويسدُّ رمقهم بعد نهارٍ من الصيام طويل ؟!
 احسب أنك أنت المحتاج لتعلم مرارة الحاجة، واحسب أن أطفالك الجائعين لتتذوق  شيئاً من حنظل الجوع, واحسب  أنك أنت الفقير لعلك تشعر بقسوة الفقر وبؤسه ومرارته, وما أدراك لعل دعوةً مخلصةً من إنسان جائع أطعمته تفتح عليك أبواباً من الرزق  تنعم به أجيالاً من ذريتك من بعدك.

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15767