نفحات رمضانية..يومك لك فاعمل له

العدد: 
15767
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران 2018

إني لأعتقد أن بلاءنا في هذا المجتمع هو عجز الكثير في التأقلم مع الحاضر والاشتغال بالماضي والندب على الأطلال البالية أو انشغالهم بالمستقبل واستعجال حضوره ..
ومثلما ندرك حقيقة بأنه لو اجتمع الإنس والجن على إعادة ما مضى لما استطاعوا ، لأنه المحال بعينه وعلينا ألا ننظر إلى الوراء ولا نلتفت إلى الخلف لأن الريح تتجه إلى الأمام والماء ينحدر إلى الأمام .. والقافلة تسير إلى الأمام فلا تخالفوا سنة الحياة .
وأيضاً « لمن يشغل نفسه بالمستقبل ويستعجله ، صحيح أن لكل إنسان هدفاً في الحياة وطموحاً لأن يكون أفضل في كل شيء، وعليه أن يعمل لأجل ذلك ولكن لا نشغل أنفسنا في التفكير بالمستقبل نستعجله ونستحضره يجب ألا نستبق الأحداث لقوله تعالى ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه) أتريدون إجهاض الحمل قبل تمامه ، وقطف الثمرة قبل النضج أن غداً مفقود لا حقيقة له وليس له وجود ولا طعم ولا لون فلماذا نشغل أنفسنا به .
ونتوجس من مصائبه ، ونهتم لحوادثه ، نتوقع كوارثه ، هو في عالم الغيب لم يصل إلى الأرض بعد ، وعلينا ألا نعبر جسراً حتى نأتيه ومن يدري ؟ لعلنا نقف قبل وصول الجسر ، أو لعل الجسر ينهار قبل وصولنا  وربما وصلنا الجسر ومررنا عليه بسلام وفي حاضرنا أكبر مثال على ذلك فالكثير منا كان يشغل نفسه منذ سنوات بقضايا مستقبله لكن لا أحد منا كان يتوقع أن تحل بنا هذه المؤامرة الكارثية التي لازلنا نعيشها بكل آلامها وأوجاعها .
إن إعطاء الذهن مساحة أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة حماقات شرعاً لأنه طول أمل ، ومذموم عقلاً لأنه مصارعة للظل إن الكثير من الناس يتوقع مستقبلاً مؤلماً فيه جوع وعري ومرض وفقر ومصائب ، وهذا كله من مقررات مدارس الشيطان يقول تعالى :
( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً )
فكثير هم من يبكون لأنهم سوف يجوعون غداً أو سيمرضون بعد سنة أو سيموتون بعد فترة ... إن الذي عمره في يد غيره لا ينبغي له أن يراهن على العدم ، والذي لا يدري متى يموت لا يجوز له الاشتغال بشيء مفقود لا حقيقة له ، فاتركوا غداً حتى يأتيكم ولا تسألوا عن أخباره ولا تنتظروا زحوفه واشتغلوا ليومكم فقط .
فإن شربت ماء عذباً زلالاً هذا اليوم فلماذا تحزن من ماء أمس الملح الأجاج ، أو تهتم لماء غد الآسن الحار .
خلاصة القول : ضع شعارك لن أعيش إلا هذا اليوم ، فكر فيه بإرادة فولاذية استغل كل لحظة في بناء كيانك وتنمية مواهبك وتزكية عملك واستفد من شهر الفضيلة للعمل في يومك بتهذيب ألفاظك فلا تنطق حجراً أو فحشاً أو سباً أو غيبة ، لليوم فقط سأعيش وأجتهد في طاعة ربي وتأدية صلاتي وانظر في كتبي ودراستي لليوم فقط أغرس في قلبي الفضيلة واجتث منها شجرة الشر بغصونها الشائكة من كبر وعجب ورياء وحسد وغل وسوء ظن .
اليوم فقط سوف أعيش فأنفع الآخرين وأسدي الجميل إلى الغير ، سأعود مريضاً ، أتشيع شهيداً ، أزور جريحاً ، أدل حيران ، اطعم جائعاً أفرج عن مكروب ، أقف مع مظلوم ، أشفع لضعيف ، أواسي منكوباً ، أرحم صغيراً ، أجل كبيراً ، لأنني لليوم فقط سأعيش .
فيا ماض ٍ ذهب وانتهى غرب كشمسك ، ولن أبكي ولن تراني أقف لا تذكرك لحظة لأنك تركتنا وهجرتنا وارتحلت عنا ولن تعود إلينا أبد الآبدين .
ويا مستقبل أنت في عالم الغيب فلن أتعامل مع الأحلام ، ولن أبيع نفسي مع الأوهام ، ولن أقبل ميلاد مفقود ، لأن غداً لا شيء ، لأنه لم يخلق ، ولأنه لم يكن مذكوراً .
فيومك يومك أيها الإنسان ، هي أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهى صورها وأجمل حللها .

الفئة: 
الكاتب: 
غسان عبد السلام الشامي