الليل في عيون الأدباء

العدد: 
15767
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران 2018

ليس من نافلة القول الحديث عن الوصف في الشعر العربي ، فالشعر كله يقوم على الوصف ، كما قال أحد النقاد ، والمعنى هنا أن الشعر يقوم على الصورة الفنية ، والصورة هي قوام الوصف .
لم يترك الشعراء العرب قديماً شيئاً وقعت عليه عيونهم إلاّ وصفوه وصفاً غاية في الدِّقة ،  يدهشك جماله ، فوصفوا مظاهر الطبيعة بدءاً من الأطلال التي دثرتها رياح الشمال والجنوب ، والتي كانت دار محبوباتهم إلى الأثافي التي كانت مواقد نارهم ، فإذا انطلقت رحلة ظعائنهم وصفوا تلك الظائعن بكل حمولتها ، في حلها وترحالها وأماكن إقامتها والوديان التي قطعتها وموارد الماء التي وردوها ، ووصفوا محاسن المرأة ومآثر الممدوح ، فإذا انطلقوا إلى الصيد والحرب وصفوا الخيل ، والطرائد والغزلان والسلاح وقد وقف النقاد كثيراً عند وصف عنترة للذباب وقد كان جميلاً ودقيقاً      ( و أكتفي به مثالاً عن الوصف ) :

وخلا الذباب بها فليس ببارح ٍ      
                                هزجاً كفعل الشارب المترنم
غرداً يسنّ ذراعه بذراعه            
                                فعل المكبّ على الزناد الأجذم
وأما الليل فله مع الأدباء شأن آخر .
والليل في المعجم فترة زمنية تمتد من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر ،  أو هو ما يعقب النهار من ظلام ( معجم المعاني ) .
وهناك مصاحبات لكلمة الليل ( أي مضافة إليه دوماً ) من المفيد أن نذكر منها :
آناء الليل : ساعاته . ابن الليل : القمر ، بنات الليل : الهموم والوساوس ، أو طائفة من البغايا . صدر الليل : أوله . ليل التمام : أطول ليالي الشتاء . . .
والليل في القرآن له سورة ( والليل إذا يغشى ) وقد ورد ذكره اثنتين وتسعين مرة وقد جعله الله آية من آياته – وقد أشار البيان الإلهي إلى دوران الأرض حول نفسها من خلال الوصف الدقيق لنظام تولد الليل والنهار ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) وقد جعله الله سكناً و رحمة لعباده ، تسكن فيه الأشياء ، وقد أقسم الله به في أكثر من موضع .
( والليل إذا أدبر ) المدثر ( والليل إذا عسس ) التكوير (والليل إذا يغشى ) فما المعاني التي رصدها الشعراء لليل ؟
لعل أوّل من وصف الليل من الشعراء هو امرؤ القيس ، وفي خلال وصفه اتهمه بأنه جلب له أنواع الهموم ليختبر صبره وقد أسقط حالته النفسية عليه وهو الرجل المهموم من كرب الدنيا ولكنه لم يجد سوى الليل يحمله تبعة هذه الحالة التي هو فيها ، وقد شكا طول هذا الليل وطالبه حين جثم بصدره عليه أن يرحل وإن كان على قناعة أن النهار لن يكون خيراً منه ، وهذا وضع طبيعي لأمثاله من المكروبين حين يرون الزمن بطيئاً ينقل خطواته في الوحل ، وأمّا النجوم فقد ربطت بحبال مشدودة إلى جبل  ( يذبل )  :
وليل كموج البحر أرخى سدوله       
                                عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطّى بصلبه            
                               وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل      
                           بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقد حذا النابغة الذبياني حذو امرئ القيس حين رأى الليل ثقيلاً لا تكاد نجومه تغادر مواقعها ، وهو يرزح تحت همّ يثقل ربما كان هو توعد النعمان بن المنذر في قتله:
 كليني لهمّ يا أميمة ناصب          
                           وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض     
                             وليس الذي يرعى النجوم بآيب
ولم يأت أحد من الشعراء بمثل ما جاء به النابغة حين جعل النعمان كالليل سيدركه ولو كانت المسافة بعيدة بينهما ، مثلما يدركه الليل :
فإنك كالليل الذي هو مدركي      
                           وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وأما بشار بن برد فقد جعل سبب طول ليله هو أن النهار أضاع طريقه فتأخر في الظهور ، وكأن ليل بشار قد صار ليلين .
أضلّ النهار المستنير طريقه
وما لعمود الصبح لا يتوضح
وطال عليّ الليل حتى كأنه
بليلين موصول فما يتزحزح
وحين عشق ( عبدة) جعل ليله قصيراً لكنه لم يستطع النوم لأن طيف محبوبته سرق من عينيه الكرى وهذا أقرب للواقعية من امرئ القيس الذي حمّل الليل همومه :
لم يطل ليلي ولكن لم أنم        ونفى عنى الكرى طيف ألم
روّحي يا عبد عني واعلمي    أنني يا عبد من لحم ودم
وكان الليل عند أبي فراس ملاذاً وسكناً يرتاح بين يديه ويسكب تحت عتمته فيض الدموع ، يستهويه سكونه ويستر عليه بكاءه وهو الأمير الذي ليس من شيمه إهراق العبرات وهو يتحدث عن حادثة أسره .
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر     
                               أما للهوى نهي عليك ولا أمر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى    
                            وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
والمعري الذي يعيش في ظلام تام لا ينقضي إلا بانقضائه ، أصبح الليل من ألاّفه وهو عنده جميل مثل النهار لا يختلف عنه إلاّ بلونه الأسود ، جعل نجومه حائرة حين كان يلهو تحت سمائه ، وجعل ليلته – ويبدو أنه كان في حالة من السعادة – مثل عروسة زنجية تزينت بالجواهر الثمينة . وقد هجره النوم لكن ليس كغيره من الشعراء- حين رأوه بطيئاً ثقيلاً – ولعل أحداً لم يسبق المعري إلى وصف الليل ونجومه بالطريقة التي وصفها به فذكر الظلام ، والنجم والبدر والهلال والثريا والقمر ..
عللاني فإن بيض الأماني            
                           فنيت والظلام ليس بفان
ربّ ليل كأنه الصبح في الحســ      
                               ن وإن كان أسود الطيلسان
قد ركضنا فيه إلى اللهو لما         
                              وقف النجم وقفة الحيران
ليلتي هذه عروس من الزنــ        
                              ج عليها قلائد من جمان
هرب النوم عن جفوني فيها        
                            هرب الأمن عن فؤاد الجبان
ثمّ شاب الدجى وخاف من الهجر    
                               فغطى المشيب بالزعفران
وكأنّ الهلال يهوى الثريا            
                              فهما للوداع معتنقان
والليل عند الشاعر القيرواني هو امتداد للألم والقلق والحيرة يسائله عن موعد لقائه بحبيبه الذي يبدو أنه لن يأتي :
يا ليل الصبّ متى غده            أقيام الساعة موعده
رقد السمّار وأرقه                 أسف للبين يردده
هذه الرائعة التي نسج شوقي على منوالها رائعته التي ظهرَّ فيها القطيعة بينه وبين النوم لشدة تعلقه بمحبوبه :
مضناك جفاه مرقده          وبكاه ورحم عوّده
حيران القلب معذبه          مقروح الجفن مسهده
وفي قصيدة ( وصف الذئب للبحتري ) شبه بداية طلعة الصبح من جوف الليل في بياضه بطرف سيف خارج من غمده وأما بقيته فقد ظلت في الظلام :
وليل كأن الصبح في أخرياته     
                          حشاشة نصل ضم إفرنده غمدُ
تسربلته والذئب وسنان هاجع   
                           بعين ابن ليل ماله بالكرى عهد
وكانت نظرة جبران خليل جبران إلى الليل مختلفة عن نظرة الشعراء وذلك لرومانسيته المفرطة ولإشراكه الطبيعة في أحاسيسه ووجدانه فقد كان الليل عنده وشاحاً من السكون يختبئ في طياته طيبات الأحلام ، ونجومه تحافظ على أسراره وضباب الكروم يفعل فعلها والبدر الذي قدرّ الله منازله ،ينتقل بين هذه المنازل ، ويرنو بعيني راصد لحركة الأيام :
 سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
                        وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيام
..............
 لا تخافي يا فتاتي فالنجوم تكتم الأسرار
              وضباب الليل في تلك الكروم  يحجب الأسرار
ولجبران نص نثري بعنوان ( أيها الليل) يرقى إلى مرتبة الشعر لكنه ليس موزوناً مجّد فيه الليل وناجاه – واندمج به- وأصبح كالليل في أحلامه وصفاته :
( أيها الليل  ، يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين ، يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة ، يا ليل الشوق والصبابة والتذكار ...
أيها الجبار الواقف بين أقزام المغرب وعرائس الفجر ، والمتقلد سيف الرهبة المتوج بالقمر ، المتشح بثوب السكون ، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة المصغي بألف أذن إلى أنة الموت والعدم ..
لقد صحبتك أيها الليل حتى صرت شبيهاً لك .
ففي نفسي المظلمة كواكب ملتحمة ينثرها الوجد عند المساء ، وتلتقطها الهواجس في الصباح ، وفي قلبي الرقيب قمر يسعى تارة في فضاء متلبد بالغيوم وطوراً في جلاء مفعم بمواكب الأحلام .. أنا مثلك أيها الليل ....
وأما الشاعر نديم محمد فقد كان سكون الليل عنده ملهماً للشعراء لكتابة قصائدهم والبوح بمكنونات أفئدتهم ومناجاة محبوباتهم :
أيا ليل الكروم وما أحيلى     لديك العيش يا ليل الكروم
دجاك يضمنا ولنا حديث     لرقته يطيب مع النسيم
سكون الليل للشعراء وحي    تنزل من سماوات الوجوم
وأما أدونيس فقد كان الليل صديقه وهو ليل مضيء ليس مظلماً كما رآه غيره من الشعراء ينام فيه قريراً حين تتفجر ينابيع الحكمة في صدره
وتجيء الأشجار راكضة خلفي
وتمشي في ظلي الأكمام
ويضيء الليل الصديق
وتنسى نفسها في فراشي الأيام
ثم إذ تسقط الينابيع في صدري
وترخي أزرارها وتنام
أوقظ الماء والمرايا وأجلو
مثلها صفحة الرؤى وأنام
 وكان أبو القاسم الشابّي يعمد في الليل إلى مخاطبة الكواكب يبثها شكواه ونجواه ويشكو لها دواخل نفسه وهمّه من ظلم الدنيا وقسوتها :
في الليل ناديت الكواكب ساخطاً     
                                 متأجج الآلام والآداب
الحقل يملكه جبابرة الدجى         
                              والروض يسكنه بنو الأرباب
والنهر للغول المقدسة التي         
                              لا ترتوي والغاب للحطاب
ما هذه الدنيا الكريهة ويلها       
                             حقت عليها لعنة الأحقاب
وفي قصيدة أخرى جعل من الليل أباً للبؤس والشقاء والفزع فيه تتجلى الأحزان على قلبه ، وقد سبق الشعراء إلى جعل الليل قطعة من جهنم قذفت بها ساعة غضب ثم يعود ليجعله لحناً حزيناً يتردد نغمة على شفة الأيام ساعة نحيب :
أيها الليل يا أبا البؤس والهول يا هيكل الحياة الرهيب
فيك تجثو عرائس الأمل العذب تصلي بصوتها المحبوب
وترف الشجون من حول قلبي بسكون وهيبة وقطوب
أنت ياليل ذرة صعدت للكون من موطن الجحيم الغضوب
أيها الليل أنت نغم شجي   في شفاه الدهور بين النحيب
وقد رأى السياب أنّ الليل صاحب أسرار يكتمها فلا يطلع عليها أحداً يرقد فيه الناس ملء أجفانهم ، إلاّ هو جعله الليل مهدداً قلقاً يرقب الأنوار والظلام ، وقد صاحب في ليله الأحلام جميلها والمخوف منها يبحث في هذا الليل عن حبيبته التي لم يلتق بها ، وقد جعل الأهلة لها متكأ وجعل الفجر مرآتها الصافية ، وأما النجوم فهي بقايا وقع أقدام هذه الحبيبة وليست أغاني هذا الليل سوى رجع صدى قلبه المنكسر :
لعينيك يا ليل سرّ لا تبوح به      
                         أغمضت عنه عيون الناس فانكتما
إلاّ عيوني ما أغمضت ساهدها    
                           فبتن يرقبن منك النور والظلما
صحبت فيك سرى الأحلام مفزِعها
                            وعذبها فطويت الغور والأكما
فما التقيت بمن أهوى أتحسبها     
                         يقظى لديك فما أهديتها حلما؟
إنّ الأهلة شيء من أرائكها        
                       والفجر مرآتها مارفّ وابتسما
فما نجومك وهي النيرات سوى   
                        آثار أقدامها تروي لك الألما
وما أغانيك وهي الخالدات سوى    
                          أشتات قلبي تروّي حبه نغما
ورأى الشاعر حيان حسن مقلداً قدامى الشعراء رأى الليل طويلاً فصب سوط عذابه على الشاعر وجلس يبثه الشكوى من جراحه وقلة صبره على صد المحبوب :
ويح لهذا الليل ما أطوله        عذّب قلبي بالنوى أثمله
ويح لجرح طال بي نزفه       قد سكن النبض وهماً أشعله
شاخ اصطباري لوعة لهفة     من صدّ حبّ آه ما أبخله
ففي وريدي ناره وقدها         وحمله في الصدر ما أثقله
ومن لطيف ما كتب عن الليل تلك الأبيات الرقيقة التي غناها وديع الصافي وقد رأى الشاعر في ليله إنساناً يعاتبه ولم أدر علام العتاب؟ ثم يرسل هذا الليل سلامه إلى ليلى التي يطلع القمر الخجول من أجلها :
الليل يا ليلى يعاتبني       ويقول لي سلم على ليلى
والحب لا تحلو نسائمه    إلاّ إذا غنى الهوى ليلى
.....................
 لأجلك يطلع القمر      خجولاً كله خضر
وكم يحلو له السفر    مدى عينيك يا ليلى   
 وأما الروائي الكبير ديستوفسكي فقد خصّ الليل للوحدة والتأمل والإلهام :
الليل لوحدتك ، لا يستحق الآخرون منك أكثر من نهار كامل .
كلما كان الليل أكثر ظلاماً والنجوم أكثر ضياء – والحزن أكثر ألماً ، كان القدير أكثر قرباً .
وجعل نزار قباني الليل مدينة مكتظة بالشوارع :
لم يبقى في شوارع الليل
مكان أتجول فيه
أخذت عيناك
كل مساحة الليل
ويبقى الليل سراً من أسرار الله ، ومحوراً لحركة الحياة ، صادقه الأدباء وأخلصوا له وتغنوا به ووصفوه ، وكان رمز الخير أحياناً ورمز الشر عند فئة أخرى وهو الصديق والأنيس والرفيق .
الغادر .... المؤلم ... القاتل
يغري بالصمت والتفكر والبكاء والجمال والهيبة والخوف والبرد والدفء وأشياء أخرى .

الفئة: 
الكاتب: 
أحمد المحمد طه