النواهي تغيب عن الملاهي..أطفال يواجهون الحديد والإسمنت..تضع قوانينها بنفسها..شروط السلامة غائبة

العدد: 
15767
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران 2018

هنا أمكنتهم، تفتتح لأجلهم، تنتظرهم، ثم تغمرهم ببهجة الألعاب الإلكترونية، البرامج التلفزيونية، أفلام السينما أو سيران الصيف والربيع على منافستها أو الانتصار عليها.. هنا مدنهم، مدن الملاهي، التي يطلقون فيها العنان لجنونهم فيتمتعون بسنوات كل ما فيها مسموح.. كثير من اللهو، كثير من المتعة، تسرق حتى الكبار من عمرهم تجدهم يرافقون صغارهم بحجة الرعاية، وفي داخلهم يتسللون إلى عوالم الطفولة.. يغلقون أعينهم وهم في دولاب عريض.. في استعادة لسنوات كانوا يدمنون فيها لحظات كثيرة كهذه في وقت لا يحتاج الأطفال إلى استعادة شيء، فكل شيء أمامهم، فرحتهم تركب الآن في آلات كهربائية مثيرة، وأخرى يدوية تجعلهم كطيور صغيرة ملونة تدخل من باب لتخرج من نافذة ومن ثم تلهو فوق أرجوحة.. كيف تتراكم فرحة الأطفال في مناسبات الأعياد؟ من يختار لهم هذه الألعاب دون غيرها؟ من يحدد الفئة العمرية المستهدفة؟ من يراقب شروط السلامة العامة؟ ما هو مصدر هذه الألعاب ومن يضع الشروط على استيراد تلك الحديثة تماماً، أو المستعملة ثم المجددة؟ من يتولّى مهمة الصيانة الدورية لمدن الملاهي وما هو دور الجهات الوصائية، والأهم من هذا وذاك من يضع تسعيرة ركوب هذه الألعاب ووفق أية آلية؟.
بالطبع الملاهي توفر الفرصة للصغار ليستمتعوا بأوقاتهم في أجواء تجمع أفراد الأسرة والأصدقاء، لتوفر أماكن للتسلية والمطاعم، كما أن الإقبال يرتفع على الملاهي خلال إجازة العيد منذ اليوم الأول، حيث يحتفل الأطفال بفرحتهم ويلهون ويلعبون في سعادة غامرة وهم ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم، لكن كم سمعنا عن قصص محزنة كان السبب فيها هذه الملاهي التي لم تراعَ فيها اشتراطات السلامة وبالتحديد تلك التي تظهر فجأة في الحدائق العامة.. ولو تتبعنا حالة هذه الآلات المجهزة في الحدائق والمراكز التجارية، لوجدنا أن معظمها قديمة، وربما لا تجد لها نظيراً في أي بلد في العالم، فهي متهالكة، كما هناك غياب واضح للجهات المعنية بوضع المواصفات الصناعية واشتراطات السلامة لهذه الآلات، كذلك نلاحظ أن الأرضيات التي تنشأ بها هذه الملاهي لا تراعى فيها الأساليب الهندسية والأثاث المخصص كما هو متبع في المدن الترفيهية العالمية، والتي تحدّ من الأضرار في حالة سقوط الأطفال وربما وجدت في بعض الملاهي لدينا أرضيات مصبوبة بالحديد والإسمنت, التي لو سقطت عليها صخرة لتناثرت من صلابة أرضيتها, فما بالك لو سقط عليها إنسان بشحمه ولحمه كيف يكون حاله.. والمؤسف الجهات المالكة لهذه الملاهي تعمل على استقطاب العمالة غير المتخصصة في الإشراف عليها، ومن اللافت للنظر أن كثيراً من الأماكن الترفيهية لا تراعي شروط الأشخاص الذين يستخدمونها، بمعنى أن هناك آلات مخصصة لفئات عمرية محددة، ولكنك تفاجأ عندما تجد طفلاً لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات يستقل لعبة للكبار، وربما سببت له الضرر وقد تجد بعض الآلات لا تناسب من يعاني من أمراض كالصرع أو أمراض القلب أو نحوها، ولكن في سبيل الجشع المادي عند بعض من يديرون هذه الملاهي يجعلهم لا يفصحون عن الشروط الصحيحة لاستخدام هذه الآلات، وفي الجانب الآخر نلحظ الجهل المطبق عند بعض الجهات التي تقيم هذه الملاهي في الحدائق العامة ولا يكون هدفها الربح المادي، بل بغرض وضع بعض هذه الأجهزة المتآكلة، والتي ربما نُقلت من حديقة إلى أخرى من باب أننا نحرص على ترفيه الأطفال ورغم ذلك فإن المواطنين غالباً ما يعتبرون أن روتين العيد مكرر وممل، إذ إن اليوم الأول يكون مخصصاً لزيارة الأهل والأصدقاء، في الوقت الذي يتم فيه تخصيص اليوم الثاني للملاهي، وتشهد الملاهي الترفيهية خلال عيدي الفطر والأضحى إقبالاً من الأسر والعوائل حيث أدى إلى ارتفاع نسبة إشغال ألعاب هذه الملاهي إلى نحو 80%، ونعتقد أن الإقبال هذا العام سيكون أكثر من الأعوام السابقة.. ومع ذلك وبالرغم من علم الجميع أن الأطفال معرضون للأذية في أي وقت فإنك تجد معظم هذه الملاهي تفتقد لمسعفين متخصصين أو لسيارة إسعاف.
يفضل المراكز
المراقب لحركة العائلات خلال الأعياد يجد أن كثيراً من تلك المتوسطة الإمكانات المادية أو الميسورة تتجه إلى المراكز التجارية مصطحبة أطفالها، خصوصاً بعدما باتت توفر ملاهي للأطفال ولم تعد تلك العائلات تفضل الحدائق العامة في الوقت الراهن نظراً إلى وجود بديل مناسب لأطفالها وفي الوقت ذاته توفر الحماية.
أبو شادي يقول: إنه يفضل اصطحاب أفراد عائلته إلى ملاهي الأطفال ليس فقط بسبب حرارة الطقس، ويؤكد أن المراكز التجارية أفضل بكثير من الحدائق التي يشعر فيها الشخص بالملل بعد ساعات قليلة من مكوثه هناك، ويضيف: عندما تذهب إلى مدينة الملاهي مصطحباً أفراد الأسرة فإن الجميع يستمتعون،  مشيراً إلى أنه في كثير من الأحيان يضعهم في المركز ويتوجه إلى أصدقائه أو معارفه خاصة.. لكن نسأل إن لم يكن بالإمكان الذهاب إلى تلك المراكز فهل على ذوي الدخل المحدود حرمان أطفالهم ألعابهم لمجرد أن الجهات الوصائية على هذه الملاعب مهملة.. فهل نعالج المشكلة أم نمنع أطفالنا ؟.
أشياء لابد منها
مما سبق يتبين أننا نحتاج إلى أنظمة ولوائح لمراقبة مدن وملاهي الأطفال فعلى سبيل المثال يجب وجود مسعفين متخصصين وتوفر سيارة إسعاف، وتشترط الكشف الدوري من قبل شركة متخصصة تتحمل مسؤولية إصدار شهادة السلامة إضافة إلى اشتراط التأهيل والتدريب للعمالة المشغلة لهذا النشاط، ويجب تفعيل أمرين الأول المتابعة الصارمة والمستمرة ومن ثم إغلاق الملاهي المخالفة، والثاني إضافة عقوبة كبيرة لمخالفي اللائحة وللمتسببين في حوادث ملاهي الأطفال.
أخيراً
الطفل في كل الملاهي واحد يلاحق الألوان، ويمسك الحماسة بخفة بين يديه وهو على ثقة أنها باقية هنا، لن تعرف سبيلها بدونه.. الفرحة مشابهة، لكن المدن ليست كذلك.. تختلف الألعاب، بألوانها، أحجامها، سرعتها، حداثتها، مساحتها، تقسيمها، رفاهيتها، تكلفتها وسلامتها العامة والأهم محيطها وجوها العام وخلفية مرتاديها ,فما يختلف بين مدينة وأخرى هو ربما الأغاني في الخلفية، أو الموسيقا الكلاسيكية، الوجوه المرتادة، وكل ملهى قادر على صناعة فرحة الأطفال، وبكلمات أخرى صناعة الفرحة مرتبطة بقدرة الأهل على تأمين الدفعات اللازمة، ليشبعوا رغبة طفولية قلما تُشبع، والقدرة هذه هي المعيار الذي يجعل الزيارة إلى مدن الملاهي هي الخيار الصحيح في المكان الصحيح، أو الخيار الخاطئ الذي يحول ذلك النهار إلى كارثة مالية على جيوب الأهالي.. التي يعلنون بعدها التوبة ويخترعون عشرات الحجج كلما التصق بهم أحد أطفالهم، ورجوهم لزيارة مدينة الملاهي.. وإني أطمح أن يكون هذا المقال بداية خير في فتح ملف الملاهي والمدن الترفيهية لدينا ونبش الأخطاء والتجاوزات التي يعاني منها كثير من الأطفال الأبرياء, وذلك بقصد عدم تكرارها مستقبلاً.. وكلنا أمل في الجهات المنظمة لهذا النوع من الاستثمار دون إغفال دور الجهات المختصة بالأمن والسلامة والصحة في متابعة تطبيق الشروط التي تحمي الأطفال من استخدام هذه الملاهي، ولا شك أن تطبيق منهج الجودة الشاملة على من يريد أن يستثمر في المدن الترفيهية كفيل بتطويرها وتوفير الحماية لأطفالنا والله خيرٌ حافظاً.

المصدر: 
الفداء - فيصل يونس المحمد