قراءة في كتاب ( الصّبُر في الشعر العربي ) للأديب فيصل الجرف

العدد: 
15768
التاريخ: 
الأربعاء, 13 حزيران 2018

النقد الأدبي ، فعالية فكرية ، أدبية ، ذات استقلال نسبي ، لأنها من جهة تستفيد من العلوم الإنسانية ، كعلم النفس ، وعلم اللغة ، وعلم الجمال ، وعلم الإجتماع والموسيقى وتتطلب من ممارسيها ، ثقافة عامة ، واسعة ، ومتنوعة ، وهي من جهة ثانية ، فعالية ، تابعة للأدب ..!
كتابٌ يدهشك بعنوانه، يتناول بين تضاعيفه أخلاقيات المجتمع العربي، على مدى من التاريخ الطويل حتى الدخول في زماننا هذا.. إنه يدعو إلى العودة إلى منابع تكويننا الذاتي، ودعوة صارخة حارقة إلى (الصبر)! وبما أن الشعر هو ديوان العرب، وتاريخ مسيرتهم عبر الأجيال، فهو ذو هدف ومعنى حيث الماضي يُعانق الحاضر ومن ثم التطلع إلى مستقبل يتعامل مع الماضي.. بحداثة وحداثوية.. تتماهى في تخطي كل مايتلاءم وهواجس، وخطاب (العصرنة) حنينٌ إلى القديم لكن بعينين باصرتين معاصرتين، لأن (الآن والآتي(  لايرحمان أحداً! ما أروع أن تندغم الجغرافية بالبيئة التي وسمت أهلها بشظف العيش، والحياة القلقة.. حيث كان شعارهم (هَدْ.. ورْحَلْ) بعيدين عن مصادر المياه الجالبة الخضرة الدائمة والجداول والينابيع.. فكانت المعادلة الصعبة في الذات العربية، فكانت البلاغة، والفصاحة ومكارم الأخلاق والتحلي بالصبر، صار الحرف وردة والكلمة شجرة، والجملة ينابيع وحدائق وسواقي ماء.. هكذا كانوا يعاندون الطبيعة الصعبة، من جدب ومحل وغبار..! ‏
وليس لهم أن يقفوا.. موقف الحياد والهزيمة.. أمام هذه الظواهر القدرية.. فكان التجاؤهم إلى (الصبر) خير معين لهم... ولاحول ولاقوة إلا بالله.. فكان الشعر حاديهم، وملهم القوة لديهم، حيث تتباين حقيقة صبرهم وكان هذا «الصبر» وسيلة من وسائل الخلاص ولامناص من ذلك، في زمن الصراع المحتدم بين المادة والروح، وصدق قول أحد الفلاسفة:  إنكم ملاقون أعظم انتصار.. لأعظم صبر في التاريخ .  

‏ استطاع الأديب المؤلف (فيصل الجرف) أن يوالف بين التضاد، وعنف التصادُم، اليومي، إنه يكتب عن مراحل قاسية، عرفتها المجتمعات العربيّة (البدوية(  آنذاك.. فكان (أصبر من الصبر) في استجلاب، واستحضار النماذج الشعرية التي.. تتكلم وتقول، وتصف هذا العنوان «الصبر في الشعر العربي» إلى عناوين أخرى.. لافتة. واعتدنا عليها.. حتى في دراستنا.. والتي صارت (مُملة) مثل مواضيع تقول: ‏
بالفخر والمديح والرثاء والوصف.. الخ.. ‏
هذا الكتابُ، قد يكون فريداً من نوعه، كونه يطرق موضوعاً قلما تناولته أقلامُ الآخرين، فقد يكون مردُّ هذا لصعوبة تناوله.. واستحالة استحضار شواهده الشعرية، فكم استغرق من البحث والتنقيب، وتقليب صفحات المصادر والمراجع حتى حظي بهذا العمل الجاد والجميل.. أليس علينا القول إن أديبنا، ومؤلف هذا الكتاب هو (أصبر من الصبر عينه) !.. ومع هذا فقد عاش الإنسان العربي، صبرين، صبراً ذاتياً وصبراً خارجياً «براني».. أخضعوا.. التوائم، والإبل، النخيل، وأعشاب الصحراء وكل من دّب على رمال الصحراء..!. ‏
فكان هذا الجلد الفظيع، وقدرة هذا الإنسان العربي على الاحتمال وعدم نفاد الصبر، احتمال الاعتمال الداخلي الذاتي لدى وأمام المؤثرات الخارجية. ‏
هذه اللوحات والصور، جلها مستوحاة من الواقع الذي عاش فيه.. حيث الارتحال الدائم.. والهجرة المرغمة.. ما بين السماء الزرقاء، حيث القمر والنجوم.. والصحارى التي لا تنبت إلا الرمال والرياح وبعض الواحات مما جعلت هذه البيئة إنسانها يتصعلك ينفر حتى من أقرب الناس إليه! ويصاحب أحيانا وحوش البراري، لأنها في زعمه أفضل من مصاحبة بني البشر..
كان الشعراء لسان القبيلة، يوصلون الآراء والأخبار في الملمات، ووقت يداهمهم شيء إما عن طريق التعرض للغزو.. أو تعصف بهم جائحة من غضب الطبيعة، كل هذا وذاك أكسبهم الصبر .
إذاً يتحفنا الأديب بكتابه «الصبر في الشعر العربي» بلآلئ، وكنوز، كانت إما مطمورة قصداً خوف الفضائح.. وإما الإهمال وتعاقب الأجيال، وهذا الموضوع كان يندرج تحت عناوين أخرى مثل الرثاء الحكمة والحماسة.. الخ.. قال سيد العرب والبشر، محمد صلى الله عليه وسلم : (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة..) وقال ابن رشيق: (كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعرٌ، أتت القبائل مهنئة بذلك..) سُئل الشاعر ذو الرمة: (كيف تفعل إذا انقفل دونك الشعر؟ قال: كيف ينقفل دوني وعندي مفاتيحه..) قالت العرب: (صبر الرجال كالنار لا ينقصها ما يؤخذ منها، ولكن يخمدها ألا تجد حطباً..) وفي فلسفة الصبرقول المعري : (تعب كلها الحياة فما أعجب ألا من راغب في ازدياد..) وجاء الإيمان الصادق، وهيأ فهماً وتفسيراً للصبر، على بعده التفاؤلي، والذي يضرم نار العزائم في موقد القلوب الرامدة... حطبها الإرادة التي تبعده عن الاستسلام والتشاؤم. لذلك جعل الإسلام من الصبر سمة أساسية من مقومات الإيمان... بأن تتصرف في هذا الوجود وتلك الحياة على حكمة أرادها الله سبحانه، امتحاناً للنفوس..! وكان التسليم بقضاء الله وقدره.. الذي عمق مفهوم الصبر في العصور اللاحقة؟! ‏
فما كان للبدوي الرائح والغادي في تيه فلوات الصحارى، إلا الرضوخ إلى واقعه، ولا حول له.. ولا قوة إلا بالله ، صبره، سيفه،الحياة البدوية القلقة.. وتبقى الصور الشعرية، بكل أنواعها وألوانها وأطيافها، مأخوذة من المحسوس الواقعي المعيشي الذي يشغل روح الشاعر، ويربك أفكاره. فهو دائماً في.. جيشان من الحيرة.. فلا مجال للتحليق في الخيال، خارج السرب، والإطار الواقعي الذي يضغط عليه.. من كل الجوانب...! ‏
في الكتاب نصوص مختارة في الصبر، وسأعرض باختصار بعضها: (قال قطري بن الفجاءة: فصبراً في مجال الموت صبراً، فما نيل الخلود.. بمستطاع ) ‏ .
قال عمر بن ضُبيعة: (تضيق جفون العين عن عبراتها، فتسفحها، بعد التجلُّد والصّبر) ‏ .
وروى الأصمعي: (فاصبر على حدثان الدّهر، منقبضاً، عن الدناءة، إن الحرّ يصطبرُ)
يقول الشنفرى: (أقيموا بني أمي صدور مطيكم ، فإني إلى قوم سواكم لأميلُ ).
ومن القرآن الكريم: ‏
(ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إنّ الله مع الصابرين)
 (الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا.. إنا لله وإنا إليه راجعون..( ‏
ومن مأثور الحديث الشريف: ‏
(قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من رزقهنّ، فقد رزق خيري الدنيا والآخرة: الرّضى بالقضاء، والصبر على البلاء، والدُّعاء في الرّخاء(  ‏ .
 هذه قراءة غير متأنية لكتاب (الصبر في الشعر العربي) لمؤلفه الأديب: فيصل الجرف.. ‏
لكنني حاولتُ أن أعطي القارىء ماتحتويه الصفحات التي تربو على مئة وخمسين صفحة بطريقة العرض الصحفي ,أتمنى على كل قارئ أن يتطلع على هذا الكتاب !‏
الكتاب: الصبر في الشعر العربي ‏( دراسة )
المؤلف: فيصل الجرف ‏
الناشر  : دار السوسن للنشر والتوزيع والطباعة ‏ .

 

الفئة: 
الكاتب: 
خضر عكاري