تعددت العناوين والغرض واحد

 طالعتنا الإمبريالية الأمريكية في الفترة المعاصرة بعناوين متناقضة مثل الفوضى الخلاقة والحرب الناعمة وغيرها .وعلى الرغم من حيوية لغتنا العربية وقدرتها الهائلة على التعامل مع مستجدات العصر وملاءمتها لكل الأزمنة, فإننا لانستطيع أن نجد في هذه العناوين سوى التناقض .ويؤكد علماء اللغة أن الكلام عبارة عن مبنى ومعنى متلازمان تلازماً عضوياً، ولافائدة ترجى إذا كان صحيح بنائياً ولامعنى له.
 فإذا قلنا :(الثلج أسود) ،فالعبارة صحيحة بنائياً ولكنها غير صحيحة من جهة المعنى. وقد استخدم الشعر في الماضي معان متناقضة لإبراز فكرة ما ،أو زيادة جماليتها ،أو قوتها ،حسب  المقتضى, ولعل أفضل مايمكن ذكره في هذا الموضع هو قول البوصيري ذاكراً  الرسول (ص) ومتألماً لفراقه:
 كأن بالنار مابالماء من بلل        
                        حزناً وبالماء مابالنار من ضرم
 فهو في هذا الموضع يشرح أن النار تبكي حزناً على فراق سيد الخلق ،وأن الماء يتوقد حراً على فراق رسولنا الكريم.
  ولكن أن يستخدم الأدباء والكتّاب التناقض  لدعم فكرة شيء وأن تستخدم الولايات المتحدة ذلك شيء آخر, إذ إن مراد الولايات المتحدة هو إيجاد حجج وتبريرات للسيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها وهذا ليس  جديداً في تاريخ الاستعمار وقوى الهيمنة, فقد تم احتلال أجزاء واسعة من أفريقيا من قبل الدول الغربية بحجة مكافحة الرقيق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وبعد ذلك تم ابتداع أسلوب  جديد في القرن العشرين وهو الانتداب ،حيث فرضت هذه الدول هيمنتها على المنطقة تحت مسمى الانتداب, وبعد ذلك في أوائل القرن الواحد والعشرين تم احتلال العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم يجدوا أي أثر لها, ويبدو أننا مع مطلع القرن الواحد والعشرين أمام أشكال  جديدة من الحجج والذرائع منها مكافحة الإرهاب، والفوضى الخلاقة ،والحرب الناعمة.
  وكل هذه العناوين بمجملها لغرض واحد وهو السيطرة على مقدراتنا الاقتصادية، ونهب ثرواتنا ، وإذلال شعوبنا.
 فهل يستفيق من يضع يده بيد هؤلاء؟ ! أم أننا سنكرر قول الشاعر :
 ونارٌ لو نفختَ بها أضاءتْ               
                               ولكنْ أنت تنفخُ في رمادِ
 وقد أسمعتَ  لو ناديت حياً               
                              ولكنْ لاحياة لمن تنادي

الكاتب: 
د. صائل محمود مخلوف
العدد: 
15769