سورية .....حكاية ُالحضارة والإبداع

العدد: 
15769
التاريخ: 
الخميس, 14 حزيران 2018

عندما تكون زائراً فإن وجهتك سورية ، أو أنت مواطن تعيش فيها فأنت تعانق التاريخ حيث للتاريخ صوت وللتراث أريج الحضارات ،كل شبر من سهولها وجبالها وروابيها ، كل حجر أو ذرة تراب تحكي قصص الحضارة والإبداع في مئات المواقع المتناثرة على امتداد خارطة الوطن من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق ...... من ماري وايبلا وتل حلف وحبوبة وأوغاريت وقادش وعمريت وآفاميا وحمص وحماة وبصرى وتدمر ودمشق وحلب وشهبا والسويداء واللاذقية وآلاف التلال على نهر الفرات والخابور التي تختزن في جوفها آثار ممالك وقصوراً ومكتبات ومدناً أينعت أروع الحضارات الإنسانية وأعظم الإبداعات والمنجزات البشرية في كل العصور فعلى أرضها بدأت الزراعة منذ أكثر من عشرة الآف عام وبدأت حياة الاستقرار ( المدنيّة) فبنى الانسان الأكواخ ودجن الحيوانات ووجدت آثاره في المريبط على الفرات ، ووجدت في الكوم قرب تدمر أول قرية أقامها الإنسان فوق هذا الكوكب منذ الألف السابع قبل الميلاد .. في سورية اكتشف إنسانها النحاس منذ منتصف الألف الخامس قبل الميلاد وابتدع بعدها خليطة البرونز حتى سمي العصر باسمه أواخر الألف الرابع ق .م ، كما ابتكر شيّ الصلصال في تل حلف وحوله إلى خزف ملون ومزخرف منذ نهاية الألف السادس ق .م كما بدأت المدن الكبرى بالظهور وكذلك الكتابة الأولى حوالي عام 3200ق..م في موقع حبوبة وعارودة على نهر الفرات ، كما ازدهرت صناعة الأختام الاسطوانية والبيضوية والكروية

يقول عالم الآثار الفرنسي مدير متحف اللوفر في باريس ( إن على كل إنسان متمدن في العالم أن يقول إن لي وطنين : وطني الذي أعيش فيه وسورية ( فسورية منبع التاريخ ومهد الحضارة ، منها انبثقت الجذور الحضارية الأولى فإذا كانت مصر أم الدنيا فإن الشام شامتها حيث يقول ول ديورانت إن في بلاد سومر وأكاد وبابل ودول هذه الجماعات العربية كانت تشمل بلاد الشام أحياناً كثيرة. يؤكد المؤرخون أن سورية تلخص تاريخ العالم ، فأرضها عرفت طفولة البشرية من استقرار وزراعة وتدجين منذ عشرة آلاف عام قبل الميلاد وفي تل المريبط على الفرات عثر على أقدم سكن بشري في العالم يعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد ونشأت المدن في تل حلف على الخابور منذ الألف الخامس ق.م ، كما اخترعت أول أبجدية في العالم ( أوغاريت )رأس شمرا على الشواطئ السورية . وفي العهدين اليوناني والروماني لعبت سورية دوراً بارزاً ومنها انتشرت اللغة الآرامية التي ظلت لغة التجارة والإدارة في العالم القديم ، كما كانت سورية من المنعطفات الأولى للمسيحية والإسلام ، فمن دمشق بدأ بولس الرسول رحلة الإيمان ، وما أن بدأت الحضارة العربية الإسلامية تسود حتى أصبحت سورية قلبها النابض بعد أن صارت دمشق عاصمة الدولة الأموية المزدهرة .
أصل تسمية سورية : ورد في المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري الصادر عن مركز الدراسات العسكرية المجلد الأول ص 23: لم يعرف أصل تسمية سورية على وجه الدقة ... ومن المؤكد أن سورية عرفت بهذا الاسم زمن السلوقيين واستمرت على ذلك ... ويضيفون ما معناه أن الاسم قديم جداً لكنه لم يظهر في الأدبيات العربية إلا عند الفتح عندما قال هرقل امبراطور الروم لدى هزيمته أمام العرب المحررين ( سلام عليك يا سورية، سلام موَدع لا يرجو أن يرجع إليك أبداً ) ورد هذا القول في معجم البلدان نقلاً عن كتاب الفتوح.. *أما المصادر الأجنبية فقد لخصها كبار المؤرخين العرب كالمطران يوسف الدبس و د. فيليب حتي فيقول الأول في كتاب تاريخ سورية المجلد الأول ص 11 (... وأول من سمى هذه البلاد سورية هم اليونان مع أن هوميروس شاعرهم سمى سكانها آراميين. على أن هيرودوت ( الذي ولد سنة 484 ق م ) هو على ما نعلم أول من سمى هذه البلاد سورية وتبعه في ذلك اليونان والرومانيون ولكن ما الذي حملهم على هذه التسمية ففيه للعلماء القدماء أقوال أقربها إلى الصحة قولان : الأول أنها سميت سورية نسبة إلى صور مدينتها البحرية الشهيرة وقد عرف اليونان أهلها لكثرة ترددهم إلى بلادهم للتجارة فسموهم سوريين وبلادهم سورية بإبدال الصاد بالسين لعدم وجود الصاد في لغتهم . وكلمة صُر بالفينيقية معناها الصخر أو السور ويرى هذا الاسم منقوشاً على المسكوكات القديمة التي وجدت في هذه المدينة . والثاني أن اليونان سموا هذه البلاد سورية نسبة إلى آسور أو آسيريا بلاد الآشوريين لأن الآشوريين كانوا يتولون سورية عند استفحال أمر اليونان فنسبوا سورية إليهم مخففين اللفظة بحذف الهجاء الأول والمبادلة بين السين والشين حتى في كلمة آشور وآسور . ونرى بعض القدماء من اليونان يطلقون على ما بين النهرين أيضاً وأرمينيا وبعض بلاد فارس اسم سورية مرادفاً لاسم أسيريا أي مملكة الآشوريين.
 • أوائل الأشياء : في سورية نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات ، وأول نظم للري ، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع ، وأول العقود التجارية ، وأول نظام للائتمان ، وأول كتب القوانين ، وأول استخدام للكتابة ، وأول قصص الخلق والطوفان ، وأولى المدارس والمكتبات ،وأول أبجدية في التاريخ ، وأول الأدب والشعر ، وأول أصباغ التجميل والحلي ، وأول النقش والنحت البارز، وأول القصور والهياكل ، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين ، وفي البناء نجد أول العقود والأقواس ، وأول القباب و.... في الفترة بين الألفين الثامن والسادس قبل الميلاد ظهرت مجموعة كبيرة من القرى – المدن منها : تل أسود على البليخ – المريبط وأبي هريرة وبقرص على الفرات – الكوم في جنوب أبي هريرة رأس شمرا ووادي فلاح وفارة وأبو غوش على الساحل – لبوة والغريقة وأسود وبيسمون والشيخ علي والمنحطة وأريحا والبيضا في سورية الجنوبية والرماد في جنوب دمشق
 . كانت سورية أهم مراكز الإشعاع في العهدين اليوناني (فتح سورية على يد الاسكندر عام 332ق.م والروماني ( على يد بومبي عام 64ق.م والسلوقي حيث جُدد بناء الكثير من المدن والحواضر مثل أنطاكية على اسم والد سلوقس واللاذقية على اسم والدته لاوديسا ، والرستن على اسم ابنته أراتوزا ، وافاميا على اسم زوجته الفارسية أباميا ) في العهد الروماني حكم العديد من السوريين أباطرة في روما كأسرة سبتيم سيفير وزوجته جوليا دومنا واخوتها وأحفادها كراكلا وفيليب العربي و .. كانت أنطاكيا مهد المجمع المسيحي الأول , ومن دمشق ومن طريقها المستقيم بدا بولس الرسول رحلة الإيمان . وبنى السوريون أوابد لاتزال ماثلة حتى الآن مثل قصر ابن وردان والأندرين في حماة والرصافة في الرقة وقلعة سمعان شمال حلب . لاتزال لغة السيد المسيح ( الآرامية ) لغة محكية يتحدث بها بعض سكان القلمون مثل معلولا وجبعدين . منذ عام 636 م أصبحت دمشق مركز الإشعاع الرئيسي وعاصمة الدولة العربية وقلب العروبة النابض بالحياة والعطاء حتى اليوم ، إنها جدة المدن وأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ . أهم معالمها قصر الخضراء والجامع الأموي يمتاز بمآذنه المربعة وهو النموذج الأول للمآذن في الإسلام . سورية متحف كبير مفتوح على المدى يضم آثار الحضارات المتعاقبة وهي تفخر بهذا التراث العريق وهذا يعطيها حافزاً للتطلع إلى الأمام واستشراف المستقبل وتسابق الزمن لتحتل مكانها تحت الشمس . لقد تعرضت سورية لغزوات عديدة ومعارك جرت على أرضها , ورحل الغزاة الطامعون وأعوانهم وأدواتهم إلى مزابل التاريخ ، هُزم المعتدي وبقيت سورية صامدة بشعبها وتراثها وتاريخها وعراقتها . سورية اليوم تتعرض لأبشع وأقذر حرب شُنت عليها لتشويه تاريخها وتراثها لكنها بصمود شعبها وتضحيات جيشها الباسل وحكمة قيادتها تصنع غدها المشرق ومستقبلها الزاهر وهي على يقين تمضي وبين أيديها كل الدروب إلى المجد العظيم .

الفئة: 
الكاتب: 
حبيب الإبراهيم