وسائل التقاطع الاجتماعي ..!

الظهور الأول له سبقته دعايات ذات طنّة ورنّة على اعتبار أنه وسيلة اتصال محمولة يمكن أن تفي بكثير من الأغراض ، وتؤدي خدمات جلّى  ما كان بالمقدور تأمينها في سالف العصر والأوان .
وبين الأسماء التي أطلقوها عليه عند بزوغه واحد قمين وكفيل بجذب الانتباهات ، ولفت الأنظار ، ودفع المغرمين – مرغمين- وغير المغرمين للحصول عليه ، واقتنائه أملاً في جَنْي ثمار فوائده ، والاسم ، أو الصفة  التي ألصقوها به هي :
 وسيلة التواصل الاجتماعي ، الحيوية ، الحديثة
 إنه الهاتف الجوال الذي تسابقت الشركات العالمية لتطويره ، واستحداث ميزات إضافية جديدة تُلحقها بالأجهزة المتقدمة التي ستغزو أسواق الهواتف المحمولة ، ويالسعادة من يفوز بجهاز من الأجيال الأكثر حداثة وتطوراً .
ولأن الرّياح تجري – في بعض الأحايين – بعكس ما تشتهيه السفن ، فقد جرت ضد الغاية المنشودة ، والهدف الرئيس الأول الذي يضمن سهولة التواصل الاجتماعي ، وتقريب البعيد – صوتاً وصورة – سواء كان في مشارق الأرض أم في مغاربها .. وفي شمالها أو جنوبها .
التواصل الاجتماعي انقلب- على ما يبدو- إلى ما يشبه التقاطع ... والتقاطع هنا من قطعَ يقطعُ قطعاً ... وصولاً إلى تقطيع الموصول ، ومنه إلى القطيعة .!
كيف يكون ذلك ؟
يلتئم شمل أسرة عصرية حول مائدة الطعام فيجلس كل فرد على كرسيّه ويضع هاتفه على الطاولة ، وإلى يساره قريباً من الشوكة ، وحسبما تقتضيه الآداب وقواعد ( الإتيكيت والبروتوكولات) المعاصرة ، فالسكين والملعقة إلى يمين الطبق ، والشوكات والجوّالات إلى يساره ، ومع كل لُقمة كتابة جملة ، وبعض اللقمات قد تصطدم بالخدود ، أو تنزلق إلى الأحضان .!
وتقصد مجلساً من مجالس السهر ، وترمي السلام على رهط من الحاضرين وبالكاد تسمع الردود ، فالموجودون مشغولون ومنهمكون ، وغائصون وسارحون كلٌّ مع جهازه ، وكل واحد يغنّي على ليلاه ، وتختلف الانشغالات ، وتتضارب الانهماكات ، وتتباين طرائق الغوص والسّرحان في أنفاق وسراديب الأجهزة الجوّالة ذوات الخدمات التي لاتعدّ،
ولا تُحصى ، وترضي الرغبات كافة !
ويستدرجك الفضول – البريء- ويدفعك للانتقال ببصرك من اليمين إلى اليسار ، ومنه تعود إلى اليمين مراقباً وجوه الموجودون جسداً و قالباً ، الغائبين قلباً وروحاً ، والسّاهين الغافلين عن آداب وأدبيات المجالس والاجتماعات .!
أيضاً ... يسترعي اهتمامك ، ويلفت أنظارك الهيئة العامة ، والتعابير المرتسمة على الوجوه المستغرقة في حمأة المواضيع المختلفة كاختلاف الشخصيات ، والأهواء والرغبات .!
وبعيداً عن علوم الفِراسة يمكنك أن تلاحظ على هذا المحيّا فرحاً واندهاشاً،  وعلى الثاني انتفاخاً وانتفاشاً ، وعلى آخر ابتهاجاً وانفلاشاً، وعلى ذاك انبهاراً وانتعاشاً ، أو عبوساً وانكماشاً .. فتعساً لوسائل التقاطع الاجتماعي!

 

الكاتب: 
غزوان سعيد
العدد: 
15773