على ضفاف العاصي : عَرَفْتُهُ عن كَثَب

 أعتقد أنه من غير الوفاء أن تمر ذكرى رحيل المربي والعَلَّامة ورئيس مجمع اللغة العربية ووزير التربية  والتعليم العالي الدكتور شاكر الفحام, دون أن نقول فيه شيئاً.. ونبأ وفاته لم يكن هَيِّناً سهلاً على طلابه ـ وأنا واحد منهم ـ ومحبيه.. كان ذلك في 28/6/2008.. لقد أحسست بمرارة كبيرة, وألم عظيم حين رحل هذا العالِمُ الإنسان الذي لم يبخل يوماً علينا في مدّ يد العون, والمساعدة, والتوجيه، وهو يلقننا العلم في جامعة دمشق. 
 وأذكر أنني رأيته أول مرة في نقابة المعلمين بحماة ـ وكان وزيراً للتربية ـ حيث أقيمت أمسية  أدبية تكريمية للشاعر الراحل عمر يحيى في عام 1976 .. فوجدت فيه العلم الغزير, والتواضع الكبير.. 
  وتعرفت إليه أكثر حين كنت طالب دراسات عليا في قسم اللغة العربية عام 1978, فكان أستاذاً لنا بمقرر  الدرس اللغوي, فظهر لي في شخصيته العالم والإنسان والأب الذي نصح أولاده متمنياً لهم الخير والرشاد, وكانت نصيحته الدائمة لنا : اسألوا أساتذتكم , واستفيدوا من علمهم, ولا تتقاعسوا في تحصيل العلم، وتحقيق  هدفكم , فالإبرة قد تضيع إذا صار  الخيط طويلاً. 
 وحين عُقِدَت لي جلسة مناقشة أطروحة  الماجستير كان ـ رحمه الله ـ أحد أعضاء لجنة المناقشة والتحكيم, فكان  من أبرز سماته الهدوء, والموضوعية, والتوجيه , والمنهج العلمي, ولم يكن ممن يحبون التفاخر بعلمهم , واستغلال منصة المناقشة لعرض العضلات, وقول أشياء تم تحضيرها من بطون الكتب لنيل إعجاب الحاضرين , كما هو  حال كثير من المناقشين. 
 وسوى ذلك  فقد كنت  شغوفاً بقراءة مقالاته, وبحوثه العلمية في مجلة مجمع اللغة العربية, فقد كان فيها فائدة  عميمة , وعلم عظيم, وفصاحة وبيان، وثروة لغوية فذة, وحِكمَ وأقوال غنية. وإذ ماتقرأ له تكن مطمئناً غاية الاطمئنان إلى سلامة أسلوبه, وقوته, ورُقيِّه , وفصاحته. 
 أضف إلى ذلك أنه لايمكن لمنصف  إنكار جهوده, وفضله في تعريب الجامعات السورية, وكثير من المصطلحات العلمية والطبية، وذلك من باب اعتزازه الكبير بلغتنا العظيمة, وغيرته عليها, ورأيه في ذلك أن شعوباً كثيرة  تتعلم العلوم بلغاتها, وهي لاتملك مانملكه من حضارة شامخة, وإرث عظيم، ولغة شرّفها الله حين أنزل  القرآن الكريم بلسان عربي مبين. 
 لم أشأ في هذه الخاطرة أن أتحدث إلا عن بعض الجوانب القليلة في شخصية  هذا العالم الجليل.. وهو بعض من وفاء التلميذ لأستاذه .. والحديث عنه بتوسع يحتاج لصفحات كثيرة.. لقد رحل بعد أن ترك لنا كنوزاً ثمينة  من مقالات، وبحوث, وكتب زادت على العشرين.. ليكون بين من سجّلهم التاريخ بأحرف من نور. 

 

الكاتب: 
د. موفق السراج
العدد: 
15781