حماة والعطر

العدد: 
15783
التاريخ: 
الأحد, 8 تموز 2018

 قد يلمس القارئ غرابة في العنوان ويتساءل في سره وما علاقة العطر بحماة ؟
بداية حماة بنت العاصي التي حباها الله به يمر في واديها  ونواعيره الدائرات على ضفافه تسقي بالماء الذي تحمله من النهر كل بقعة منها فمن حماماتها إلى خاناتها فمساجدها بيوتاتها سبلانها المنتشرة في كل حاراتها  إلى برك البيوت فالبحرات المتوضعة في ساحاتها و..و.. فحيث يصل الماء تدب الحياة وتنتشر.
ولو طالعنا في وصف المؤرخين الذين مروا بحماة على اختلاف منبتهم ومشاربهم وما أكثرهم لاسترعى انتباهك في أول وصف لها نواعيرها ونهرها الجميل فجناتها وبساتينها وخضرتها الدائمة.  ويحكى أنه عندما توجه السلطان سليم إلى حماة بعد معركة مرج دابق 1516 م سلك طريقاً صحراوياً مختصرة لخوفه من قلة المياه ففوجئ بحماة ووجدها أجمل بقعة في بلاد الشام . بساتينها العديدة , وقنواتها ووفرة زراعتها وثمارها , ووجدها مراحاً وسط صحراء, بستاناً محاطاً بمسيلات مائية , ونباتات معطرة، وقد أينعت حقولها ومراعيها بفضل نواعيرها التي تدور كدولاب سماوي ترفع ماء العاصي إلى الحقول والبساتين .  إنها بحق كنوز بصرية أينما اتجهت وكيفما سرت وكانت الزهور والرياحين على اختلاف أنواعها من الورود بمختلف أنواعها ومسمياتها إلى العراتلية  والجهنمية إلى ..إلى ..مزروعات  تنشر شذا عطرها الفواح ومنظرها الجميل فكان زهر الزيزفون وزهر البيلسان من بين نباتات أسوار البساتين وأحياناً الورد الجوري وكم كان يجلب أخي  معه  بعضا منها أثناء دراسته في الفلاة في منطقة الشريعة وبساتين سريحين والجاجية وعربون كعادة طلاب ستينات القرن الماضي في تحضيرهم للفحص ذاك الزمان , حتى كنت ترى أن أكثر أسوار البيوت في زواريب الحارات  تطالعك نبتة الياسمينة وما أكثرها كأنها في منظرها نجوم متلألئة في سماء وأيضاً العراتلية وكم كنت ترى المارة من نساء ورجال وأطفال في رواحهم وإيابهم يقفون ويقطفون منها..وكانت الياسمينة من ضمن المزروعات المنزلية في البيت العربي إلى جانب الفلة ونبتة الحبق والتمر حنة ونبتة العطرة التي تنقل عطرها إلى يد كل من يلمسها وكذلك روائح القرنفل .
وأما عن بقية الورود والرياحين والورد الجوري البلدي الأحمر الذي كانت تبيعه البساتنة في أول الربيع للناس حيث يجففونه ويستعملونه في أغراض شتى فمن النساء من كن ينثرن قليلا منه فوق الرز حين طبخه مع محشي ورق العنب أو مع رز «السختورة» أكلة اشتهرت بها حماة  كي تطرد زنخ اللحم فتشم وأنت تأكل رائحة الورد , وكان من عادة النساء الحمويات نثر الورد والياسمين بين طيات الألبسة في صناديق الخشب أو الخزن والبقج حيث ترتب الألبسة فتفوح رائحة الورد عند فتح الصندوق كما وقطعة اللباس عند ارتدائها , كنت أرى أمي تضيف للبيلون «مادة غضارية» بعضاً من الورد أيضاً عند نقعه في الطشت فعند وضعه على الرأس أثناء الحمام يتعطر الشعر وجلد الرأس وتتبارى الأمهات بنظافة أولادهن عن طريق شم الرأس بينهن هذا غير إضافة مسحوق نبات «الشنان» عند تفريك الجلد أثناء الحمام كمادة حنوط للجلد وفتح مساماته كانوا يصنعون من الورد أيضاً شرابا مرطبا أو مربى للأكل أو دواء لإمساك البطن , كما كانوا يضعون زهرة الفل في زير الماء الفخاري فعندما تغرف من الخابية لتشرب يسبق شربة الماء عطر الفل تشمها فتنعش الفؤاد برائحتها , وكم كنت أرى والدي يضيف زهرة الليمون إلى الشاي عند غليه ليعطيه نكهة عند الشرب ..كانت النساء في الحارات يتهادين الياسمين بطاسات يملأنها أو بأطواق يشكشكنها كقلائد تلبس حول الرقبة وكم تزينت بها العرائس وكم كن ينثرن الياسمين فوق أغطية أسرة النوم فكنت تشم العطر اللطيف قبل نومك .كانت نساء ذلك الزمن الجميل عندما يتزين للسهرات  تضع الواحدة منهن  وردة أو فلة على طرف شعر رأسها أو بعضاً من زهر الياسمين ..كما كان بعض من الرجال وخاصة الموسرين منهم ورجالات الطبقة الغنية وأبناء العائلات الراقية فمنهم من يضع قرنفلة أو فلة على عروة الجاكيت دلالة الأناقة وحسن الهندام والشبوبية الغأوية ..
لم يكن في حماة محال لبيع العطور  كأيامنا هذه إلا عند العطارين وأشهرهم عابدين في سوق الطويل كان أكثر ما يبيع العنبر وعطر الورد والماء زهر وكانت النساء يضفنه مع المكسرات من اللوز والفستق والجوز أثناء  صنع معمول العيد ..كان هناك بائع للعطر يقف في ساحة العاصي عند حائط جامع المدفن يبيع عطره المتنوع الأصناف والتسمية والمصادر في حناجير صغيرة بحجم الأصبع وما أكثر من يشتريها ليكسب بها حسنة يمسح بها أكف المصلين قبل الصلاة وخاصة يوم الجمعة «صلي ع النبي « وكان «العنان» يبيع بعضاً من الزهور في أوان تفتحها يحملها في سلة من القصب  «أرطل» كزهر البنفسج أو محلا زمانو أوالنرجس أو أسياخ الزنبق ويقف في رأس طلعة الدباغة جوار محل السمان عرابي عند صندوق البوسطة وعلى ذكر البريد والرسائل كان هناك ممن يراسلون من يرش العطر على ورق الرسالة ليفوح العطر منها عند فتح الظرف واشتهر بها العاشقون كتعطير المحارم المطرزة بل حتى إنه كانت أول مفردة من الرسالة يدبجونها في مطلع الرسالة بسلام عاطر أو يستفتحونها سلام سليم أرق من النسيم ....وكان بعض من باعة الخضار في سوق  حاضر الصغير من يبيع الزنبق ومحلا زمانو والبنفسج على شكل باقات صغيرة ..
وإذا كانت الناس تتباهى  اليوم بما تملكه من تحف وكريستالات  وسجاد عجمي فإن أناس الزمن الجميل تتباهى بما تملكه من مزروعات ونباتات زينة وورود  . كانت العادة في سلوك حسن الاستقبال المضيف لضيفه هو أن ينثر أوراق الورد عليه كما حدث في استقبال الزعيم إبراهيم هنانو وشكري القوتلي وفارس الخوري وقبلهم الملك فيصل في زيارة حماة كما وينثر الورد على العرائس في جلوسهن على الإسكي.. لم يكن بيع العطور في عبوات مغلفة كما اليوم في ماركات عالمية  كشهرة فرنسا في بيع العطور وغيرها من الدول  بل كانت الماركات قليلة أشهرها كان عطر باكو رابان برائحة القرنفل وهو عطر رجالي وعطر ريف دور عطر نسائي كماركة مشهورة وكان من العيب أن تتعطر المرأة وتسير بالشارع هناك بعض الماركات بأسماء كانت تساير أسماء مشاهير ذاك الزمان من فنانين وفنانات , وكان أكثر الناس ومنهم الحلاقين يشترون العطر المكثف «أصانص» ويقومون بخلطه مع الكحول الممدد في زجاجة فيصلح بعدها للتعطر أو للتعقيم والتطهر عند الحلاقين بعد الحلاقة .وقد سمعت من جدي ذات مرة أن أحدهم كان في صالون حلاقة يحلق ذقنه وبعد أن شارف الحلاق على إنهاء حلاقته وكانت رشة المسك هي الختام دائما قبل عبارة نعيما غافل الزبون الحلاق الذي صدف وخرج من صالونه ليحدث صاحباً له في أمر طارئ , فأخذ يسكب العطر بإسراف وطمع لافت على شعر رأسه ورقبته ووجهه وأذنيه ولما عاد الحلاق طلب منه الزبون قبل أن يقول له نعيماً وأن يزيل له شعر أذنيه وكانت تتم عادة بالخيط لكن الحلاق لاستعجاله الأمر وتحت إلحاح وتأنيب زبون آخر كان قد تأخر عن دوره بالحلاقة فما كان من الحلاق إلا أن أشعل قداحته ليزيل للزبون شعر أذنيه بطريقة سريعة وهي طريقة الحرق بالنار، ولا يستعملها إلا الحلاق الماهر فهي خطيرة , ولما اقتربت النار من أذن الزبون والحلاق  لا يدري بأن زبونه كان قد سكب الكولونيا في غفلة عنه وهنا اشتعل شعر الزبون فأسرع الحلاق ليطفئها بالمنشفة وكان منظراً يبعث على الضحك والأسى في وقت واحد كان أصحاب أكثر المحال يزينوها بباقات الورد كالحلاقين وباعة القماش والصاغة وغيرهم , وكان العطر والمسك يدخل في استقبال الناس لبعضهم فتسمع صباح الفل مساء الياسمين وكم كنت ترى الواحد منهم يخرج حنجور العطر من جيبه ويعطر صديقه في لقاء أو وداع , بل وحتى في مفردات الكلام  بين الناس وخاصة الباعة منهم فتسمع عبارة الترحيب أهلا وسهلا بالورد « أو تسمع البائع  عند الوزن يقول لزبونه «هذا حقك وفوقها حبة مسك» أو عند وفاء الدين وعند الدفع بل حتى الميت كانوا ينثرون الورد على قبره ويكللون به جنازته ويحضرونه معهم في كل خميس عند الزيارة .وأتذكر بائع «العليكة» بلونها الأحمر والأبيض ينادي عليها «عليكه بعطر الورد»...
كنت أرى أمي بعد أن تذبل الوردة التي كانت قد وضعتها في كأس على طاولة في الغرفة  تنزع عنها وريقاتها بعد أن تذبل  وتدسها بين الثياب في الصندوق الخشبي كما وتغرز عود الوردة في تراب حوض الزريعة وتقول بسم الله وللغرابة بقدرة الله ترى العود بعد فترة نبت وأزهر ويقولون «يدها خضرا» فماتزرعه ينبت ويعيش رحم الله زمانا كانوا فيه عندما يسأل أحدهم عن سمعة آخر فإن كان جيداً كانوا يقولون عنه أنعم وأكرم سيرته عطر.فل وياسمين ..
حماك الله يا بلدي درة البلدان وحما أهلك
 

الفئة: 
الكاتب: 
فاطمة صلاح الدين الكردي