من تاريخ الصحافة .. صدّق أولا تصدّق! (الكلب) الجريدة السورية التي تصدر بخطّ اليد!!

العدد: 
15784
التاريخ: 
الاثنين, 9 تموز 2018

في مطلع العام (1950) ظهرت أول جريدة شعرية في سورية ، جريدة ليست كالجرائد ، قدّمت نفسها لكل قارىء بهذه الأبيات قائلة له:

جريدة نكتبها بالشعر                         تصدر في الأسبوع أو في الشهر

تعالج الأمور باتّزان                         وتخدم الجميع بالمجان

نخطها في البيت أو في المقهى            في نسخة وحيدة فاقرأها

واحرص على أعدادها المخطوطة        فالشام لاتسوى بدون الغوطة

إذن ، فهي جريدة هزلية ساخرة ، يكتبها شاعر واحد ، هو (صدقي اسماعيل) يسطرها بخطّ يده ، وهذه الجريدة تتناول كل قضايا الوطن (سورية) وتتحدث عن هموم المواطن ، جريدة .. تنتقد بل تعلّم وتثقف ، لها خطّ واضح وشعار إنساني عربي ، غيور على الناس ومحبّ لهم ، وصادق وأمين!!

ولكن !! هل تصدقون !! كانت الجريدة عبارة عن نسخة واحدة !!

و(صدقي اسماعيل) يرسم عنوانها وينظم كل ما فيها شعراً ساخراً عميقاً لاذعاً!!

كان( صدقي اسماعيل) يستعرض فيها ما يخطر على باله من شؤون الوطن وشؤون السياسة بل وشؤونه الشخصية والفنية أيضاً!!

أما قراؤه فكانوا يتداولون النسخة المخطوطة في دمشق وفي حلب ، وأحياناً تسافر هذه النسخة إلى اللاذقية وإلى حماة ، وحمص وباقي المدن السورية ، بل ربما خرجت أيضاً إلى بعض الدول العربية المجاورة!!!

ترى هل كان لهذه الجريدة موعد للصدور؟

في الواقع لم يكن لها موعد للصدور ، فـ (صدقي اسماعيل) يبدأ في تحرير (الكلب) مع بداية كل أسبوع ، كان يجلس في مقهى الروضة أو في مقهى الكمال أو في (الهافانا) مرافقاً نرجيلته ! و.. يبدأ في تناول الأحداث والأوضاع العامة بسخرية فريدة وتعليقات ناقدة مجيدة معتمداً في ذلك على ثقافته العميقة المديدة في شتى أنواع المعرفة(!!!).

وبالطبع كان (صدقي اسماعيل) ينتهي من تحرير العدد ثم يوزّعه!!

يجيء القارىء الأول فيطبعه أو يصوره ، وهكذا بالتداول يصير العدد أعداداً، وتنتشر الجريدة هنا.. وهناك تتبادلها الأيدي في حماسة مدهشة!!

هل هناك موضوعات محدّدة؟

لا.. لم يكن هناك اية موضوعات محدّدة ولكن كانت الافتتاحية هي الحدث الأهم ، وعلى الأغلب الأعم تكون في السياسة العربية أو الدولية ، تليها يوميات رئيس التحرير (وهي تأملات فكرية) ثم هناك الشؤون الداخلية وبعدها باب الإعلانات

في افتتاحية العدد (18) بتاريخ 7/3/1957/ يقول صدقي اسماعيل:

(غموض الموقف السياسي):

الموقف الحالي من شهرين مرتبكٌ مريضُ

لجج من الإبهام مظلمةً وليس بها وميضُ

قذفوا بها الجمهور والجمهور يؤذيه الغموضُ

طوراً يقال بأن الديك بعد غدٍ يبيضُ

ويحقّق الأقطابُ وحدَته ويبتدىء النهوضُ

ويقال طوراً : إن أزمته ستنقذُها القروضُ!!

ولكن لِمَ سمى (صدقي اسماعيل جريدته ب(الكلب)؟

غير مرة أكد للسائلين بين عدد وعدد هدف الجريدة بقوله:

جريدة تصلح للصدور                بالشعر في مختلف الشهور

شعارها السامي وفاء الكلب          لا للعظام إنّما للصحب

للشعر بالقافية العريقة                  رغم انقراض هذه الطريقة

شعر بلا وزن ولاقوافي                كمن يسير عارياً أو حافي

وقال أيضاً عن جريدته:

جريدة تظهر في دمشق           شعارها رفع لواء الحق

نصدرها من عندنا تباعاً          وحرمة الشعر بها تُراعى

وكل ما فيها على العمود          فنضبط كمشية الجنود

قافية مدعومة بقافية              مثل البحار والجبال راسيه

وفي مرة قال عنها أيضاً:

جريدة بخطة مكتوبة        شعارها الاسمي هو العروبة

لكنه في أصله اشتراكي      لذاك فهو دائم العراك

تصدر في دمشق كل شهر     لكنها تباع دون سعر(!!)

وكيف كان الشاعر يعرض حوادث المدينة وأخبار الناس؟

اهتم بذلك ايما اهتمام حتى كانت هناك نافذة دائمة له بعنوان حوادث المدينة!

وهذه بعض الأمثلة:

 ـ سرقة!

لصّان من أهل السوابق          هاجما البنك الصناعي

حملا الخزانة وهي فارغة       وليس لذاك داعي

 ـ حادث سيارة!

وسيارة طحشت مخزناً      يبيع الكنادر للسيدات

وما كان سائقها غير بنت         مهذبة من بنات الذوات

وقد سئلت كيف كان الصدام      فقالت : هوايتي الواجهات!!

ـ انتحار!

شخص أراد الانتحار                على طريق الصالحية

ورآه شرطي فأوصله               إلى باب التكيه

ـ اعتداء!

شيخ من الريف له هيئة              تدل عفوياً على الفقر

أمام قصر العدل شاهدته             مشرشحاً كالعدد الكسري

هاجم شرطياً على غرّة               فاقتيد للسجن على الفور

واستجوبوه قال قصدي بأن          أروي على الضيعة ما يجري

أحكي لهم أني على رغمهم            دخلت في يوم إلى قصر(!)

وبعد : لـ (صدقي إسماعيل) تجربة شعرية ناهضة كتبها ساخراً و جاداً وكتب المقالة الادبية أيضاً والدراسة النقدية والقصة القصيرة والرواية بل والمسرحية ، صدرت مؤلفاته كاملة في عدة مجلدات ، ولكن ... هل هناك جريدة نادرة في الوطن العربي كله مثل هذه الجريدة!!

في تاريخ الصحافة العربية لم اسمع عن جريدة يحرّرها واحد ويوزّعها . وهو لايستعين بمطبعة أو تصوير أو نسخ أو تطوير .. هو إبداع طريف من رجل مثابر قل مثله بين الأدباء.

 

 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
نزار نجار