من تراثنا العربي حكاية العشق والموت

العدد: 
15784
التاريخ: 
الاثنين, 9 تموز 2018

 الحب ، تلك الكلمة المؤلفة من حرفين تتسع مدلولاتها في كل مرحلة أو عصر.. يعيش فيه الحب..

 وقد يصل المحب إلى درجة الهيام أو الجنون .. والموت أحياناً .

 وهذه الحكاية جرت في عصر ( يزيد بن عبد الملك) توضح لنا قدسية الحب ومدى صدق هذا العشق وهواه.

 تقول الحكاية:

  كان ليزيد بن عبد الملك جارية جميلة .. أكمل الناس عقلاً وأكثرهم أدباً وأحلاهم صوتاً  , تروي الأشعارو وتقرأ القرآن حتى أخذت بمجامع قلب ( يزيد)..

 وذات يوم قال لها :

 ويحك.. أما لك قرابة أو أحد تحبين أن تضيفيه وأسدي إليه معروفاً؟

 قالت:

ـ يا أمير المؤمنين أنا لاقرابة لي ، ولكن بالمدينة فتىً أحب أن يناله
 خير مما صرت إليه ..

 وحين  حضر الفتى سأله عن حاجته فقال:

  ـ مالي حاجة..

 فقال يزيد:

 ـ ويحك ألستُ قادراً على قضاء حوائجك..؟

 قال :

 ـ نعم ياأمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها..

 فقال:

 ـ اسألني فإنك لا تسألني حاجة أقدر  عليها إلا قضيتها..

 قال:

 ـ فلي الأمان ياأمير المؤمنين..

   ـ نعم .

 قال :

 رأيت أن تأمر جاريتك  فلانة التي أكرمتنا  بسببها أن تغني  لنا ثلاثة أصوات اشرب عليها ثلاثة أرطال..

  تغير وجه يزيد, وعندما أخبر الجارية قالت له:

ـ ماعليك.

 وجلس يزيد والجارية, والفتى وأمر بالشراب والطيب, وصنوف   الرياحين ثم قال للفتى :

  ـ سل حاجتك.

 فقال:

 ـ تأمرها تغني ياأمير المؤمنين, أن تغني هذا الشعر:

 لا أستطيع, سلوا عن مودتها

 أو يصنع الحب بي  فوق الذي صنعا

ـ أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني

 حتى إذا قلت هذا صادقاً نزعا

 فأمرها فغنت, وشربوا .. وقال للفتى :

 ـ سل حاجتك.

 ـ مرها يا أميرالمؤمنين بأن تغني  بهذا الشعر.

 تخيرت من نعمان عود أراكة.

 لهند ولكن من يبلغه هندا

 ألا عرجابي بارك الله فيكما

 وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا.

 فغنت وشربوا وأمر بالأرطال فملئت للمرة الثالثة .

 ثم قال للفتى:

 ـ سل حاجتك..

  ـ قال :

 أن تأمرها يا أمير المؤمنين بأن تغني هذا الشعر.

 مني الوصال ومنكم الهجر

 حتى يفرق بيننا الدهر

 والله لا أسلوكمو أبدا

 مالاح بدر وبدا فجر.

  فأمرها فغنت ولم تتم الأبيات حتى حز الفتى مغشياً عليه

 وعندما حركته كان ميتاً.

  فقال لها يزيد:

 أبكيه..

 فقالت له

 ـ لا أبكيه وأنت حي

 ـ فقال لها:

 ـ أبكيه . والله لو عاش ما انصرف إلا بك

 فبكت بدم القلب.. بكته كثيراً حتى إنها لم تمكث بعده في الحياة إلا أياماً  قلائل. وماتت.

 بهذه الحادثة  المؤثرة وهذا الحب  الوفي النادر ـ هذا الزمن  ـ يحضرني قول الشاعر ابن الفارض حين قال:

 هو الحب فاسلم بالحشا فالهوى سهل

 فما اختاره مضنى به وله عقل.

الفئة: 
الكاتب: 
رامية الملوحي