صفحة من كاوي ألم الذكريات رغيف الخبز

العدد: 
15785
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تموز 2018

الوجه الحزين دائماً , والعيون الدامعة أبداً , والأيدي التي لا تكلّ أو تملّ من العمل , حتى في سهرها تراها ترفو الجوارب , أو تقلب ثوب الأخ الكبير لتحوله في مقاسه لأخيه الصغير , تنام آخر الجميع , وتصحو أولهم .

  كانت تنسَّل من فراشها وتنسحب عبر فناء الدار إلى حيث المطبخ في دارنا العربية . أسمع صوت حقن "بابور الكاز" . حتى إذا سخن الماء عادت به إلى حيث الغرفة كنا نسميها "القاعة"

وأكوام من الأولاد الصغار تتكدس بلحومها تغطّ في نوم عميق على فراش أرضي .

 وتأتي بطبق العجين لتخلط فيه الطحين بالماء وتسكب فوقه قدراً من ماء مملح الجبن ليعطي الخبز نكهة ومذاقا لذيذا مثل كعك الشام , وبسكويت لبنان .

 كانت رحمها الله تجثو على ركبتيها وتشمّر عن ساعديها وتبدأ العراك مع العجين تقلّبه وتلّمه ثم تعود لمثل ذلك مراراً وتكراراً . وألمح دمعها يسيل على خديها ولا أعرف تفسيراً ذلك أهو من قهر الزمان , أم كثرة العيال وعظم مسؤولية رعايتهم وتعبها بهم , أو من ضيق الحال ؟..

 وبعد أن يختمر العجين تجلس لتحوله قطعاً صغيرة وتبدأ بعدها بالعد واحد ولكنها لاتنطق العدد واحد بل تقول البركة "حيث ارتفعت البركة في هذا الزمان " ثم تتابع اثنين وتقول "ياجد الحسن والحسين" ثلاثة " الله يجيرنا من الشماته" وهكذا . وكانت لما تصل العشرين تقول عشرتان والثلاثين ثلاث عشرات وهكذا في بقية الأعداد, وكانت تعلِّم قطعة العجين بغرس رأس سبابتها فيها , وأذكر إذا صدف وتاهت في العد تعود لتقرص قطعة العجين باصبعي سبابتها والإبهام وتعيد العد . إنها امرأة كباقي أمهات ذلك الزمان يسرن "بنور الله" .

  وتهمس في أذن صغيرها :قم يا ولدي فلقد اختمر العجين ونادي صبي الخباز ليأخذ العجين .

وهنا الطامة الكبرى حيث يبعد الخباز قدر حارتين . ويمانع الصبي لأنه يخاف العفاريت في الليل وهو يسير وحيداً بين الأزقة والدروب . فترد الأم لاتخف فلا عفاريت هناك فيقول الصبي ولكني أراها تتبعني وتقف كلما التفت إليها . فترد الأم إنما هي خيالك ياولدي . أنت فقط قل: بسم الله الرحمن الرحيم "دستور ياحاضرين" واقرأ :"قل هو الله أحد" ولن تخاف . وكم كان قلب الصغير يخفق رعباً رغم ما يقرأ من السور القرآنية عند اجتياز زقاق كان مجبراً على المرور فيه ذلك أنه قد سمع أن الزقاق مسكون بالجان والأسياد . وكم كانت ترتجف فرائصه رعباً عندما يصدف ويسمع صوت آذان الصبح لكأنه يتخيل الموتى تخرج إليه من قبورها فاتحة ذراعها تناديه .

  وكانت الفرحة الكبرى عند وصوله إلى الخباز "أبو وساف" في آخر سوق المفتي من سوق الطويل وهنا الأمان حيث لاخوف من العودة بصحبة أجير الخباز الذي ينبّهه أبو وساف عند جلب العجين بطلب زيادة "الويت" الطحين لرق العجين , وكانت الأم تنبِّه الأجير بدورها أيضاً بالانتباه كي لاتتبدل "المَلوَتَه" وهي خرقة قماشية لتغطية العجين كما تنبِّه الأجير إلى عدد قطع العجين الذي سيغدو أرغفة بل وتؤكد عليه ذلك. ونساعد أجير الخباز ويضع خرقة قماشية كان يسميها "الحوايه" فوق رأسه لتخفف عنه حمل فرش العجين الخشبي وينطلق بالعجين .

وأتذكر أنه كان لابد أن أذهب مشوار أو مشوارين لأنبِّه الخباز باستعجاله بالخبز لأن العجين "فشفش" وربما "سيحمِّض" عبارات أرددها ولا أفهم معناها . المهم أن الخباز أيضاً كان يقوم بدوره في أن يطلب مني طاسة طحين "ويت" إضافية أيضا فأجلبها له وسط تمتمات أمي بطمع الخباز وجشعه بطلب الويت لأنها كانت أعطته كفاية العجنة. ويأتي الدور ويُخبز العجين وأطلب من الخباز رغيفاً يصنعه لي كخبز العسكر كنا نسميه "أحجار القلعة" لنفركه بالسمن والسكر, كما ونطلب منه أن يصنع لنا رغيفاً صغيراً كنا نسميه "بحبوح" نفرح به كثيراً . ويقتطع الخباز رغيفاً من خبزنا هو بمثابة أجرة للأجير وكانوا يسمون هذا الرغيف "قطيط"

 ويصل الخبز البيت وتعبق رائحته الزكية وتقوم الأم بنشره وتنشيفه ثم ترفعه . وكانت تترك القليل منه لأكل اليوم من فطور وغداء وعشاء .

 ما أطيب خبز أمي بالزيت والزعتر , أو مع الجبن والخيار, وما ألذه فته مع الشاي . بل حافاً مفرداً , طعمه ما زال تحت أضراسي لا تعادله لذة طعم خبز آخرما حييت . لأنه رغيف من خبز أمي التي عجنته بدموعها ..وكتبت عليه سطوراً بريشة إحساسها من قهر الأيام .. وظلم السنين حتى كبرنا وغدونا رجالاً ....

 إيه ..أيام مضت .. هُدمت الحارات , وقامت أبنية , وفُتحت شوارع ... واختفت خيالات الجان والشياطين حتى من الأحلام , وظهرت شياطين الأنس شخصيا تتجول بيننا..

 ومات الخباز أبو وساف .. وماتت أمي .. وصار الخبز يصلنا جاهزاً وبأصناف شتى عادياً وسياحياً ومحسناً ومدعوماً .. لكنه ولئن شابه البسكويت .. فلا يعادل طعم رغيف خبز الأم الذي مازال مذاقه في الفم وبرهان ذلك اسألوا كل من ذاق خبز أمه ..

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو