قصة قصيرة المديرة

العدد: 
15785
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تموز 2018

فجأة وجد  نفسه في قاعة انتظار, لم تكن كبيرة ولم يكن أثاثها فخماً، طاولتان متقابلتان, بينهما برزح من فراغ لايتجاوز المترين, وراء  كل طاولة كرسي جلست عليه فتاة أنيقة, لايدري  أهي سيدة أم آنسة, لم يكن الأمر يعنيه كثيراً فقد جاء  إلى هنا لشيء أخر.

 كان يتمنى أن يرى ساعة معلقة على الجدار, يحسب فيها خطوات الزمن الراحل , وكان أقرب  شيء  إلى قلبه ساعة تدق, وقلم ينبض.

 قال في سرّه: ربما كان غياب الساعة عن الجدار مقصوداً, حتى لايشعر المنتظرون بقسوة الزمن الذي يقضم أصابع الانتظار.

 الغرفة على صغرها تضج  بالحركة ، أناس يبدو أن لهم مصلحة جاؤوا لقضائها والفتاة الأنيقة ترد على أسئلتهم واستفساراتهم, قال لها أنا على موعد مع المديرة وقبل ان تنطق بحرف, أخذ ذهنه يثب من خاطر إلى خاطر, وقادته تداعيات أفكاره وذكرياته إلى عقد مقارنة بين المديرة وبين بلقيس, فكلتاهما تملك، وكلتاهما لها ملأ وكلتاهما لها عرش عظيم.

 مروحة السقف كانت تدور ببطء شديد توزع الهواء بالعدل  على جوانبها, وتصدر عنيناً يشبه عنين غزال جريح, والزمن يسحب أنفاسه  مثل مريض يعاني سكرات الموت، أحسّ بأنه غريب في هذه الغرفة, وبدأ ظلّ من الكأبة يتسلل إلى نفسه القلقة وأخذ يرسم صورة لهذه المديرة التي جاء على وعد لمقابلتها, ماهذا الوجه الصارم الكئيب؟ قال في سره: وجهها صارم مثل وجهي, ابتسم, ولتكن كما تكون, صارمة عنيفة, غضوب،! لماذا أنا مهتم لهذا الأمر؟ لقد قابلت مسؤولين كباراً ولم أشعر بالرهبة التي أشعر بها الآن.. لم كل هذا التشاؤم ؟، امرأة سوداوية المزاج.. قطعت عليه الفتاة الأنيقة  توارد خواطره.. تفضل يا أستاذ.

 وجهاً لوجه وقف أمام سيدة بكامل أناقتها , نَصَفٍ في عمرها, الوقار يكسو  ملامحها، ويبدو أن اصابع الزمن قد مرّت فوق هذا الوجه الصبوح, ابتسامة لطيفة لاتفارق محياها, مع حزن شفيف لاتستطيع إخفاءه.

 بأدب جمّ , ولباقة مدروسة بعناية , وبأسلوب الخبير, ألقت حفنة أسئلتها على وجهه.

 شعر بكثير من الارتياح حين رشف أول رشفة من فنجان القهوة الذي قدمته له.

وراح يتألم فخامة المكان وفخامة صاحبته.

 بهدوئه المعهود عنه، أجاب على أسئلتها بكل ثقة بالنفس، وكانت تقاطعه بين  الحين والآخر, إمّا مستفسرة, وإمّا معجبة تكيل له عبارات الثناء والإطراء.

 لقد استطاع أن يترك لديها أثراً طيباً, لقد نجح, ولقد كانت سعيدة.

 لم يشعر بأن الزمن كان يجري فقد استغرقت المقابلة   أكثر من ساعة.

 ودعها وخرج , ولم يكن يدري أنها شيعته إلى خارج مكتبها, لقد خيبت ظنه فقد كانت أجمل من ما تصور.

الفئة: 
الكاتب: 
​أحمد المحمد طه