حي بن يقظان بين ابن سينا وابن طفيل

العدد: 
15786
التاريخ: 
الأربعاء, 11 تموز 2018

عاش ابن طفيل بعد ابن سينا بنحو قرن ونصف، وتأثر به في اشتغاله على الكتابات الفلسفية والأدبية، تأثراً واضح الدلالات، جعل عدداً من الباحثين يعنون بالصلة بين مؤلَّفه "حي بن يقظان"، ومؤلَّف ابن سينا الذي سبقه بزمن طويل إلى حمل العنوان نفسه.

لاحظ دارسو التراث العربي وجود ثلاثة مؤلفات أدبية ذوات طبيعة فلسفية، لابن طفيل وسابقه ابن سينا (ت 428هـ - 1037م)، ومعاصره السُهروردي (ت587هـ - 1191م)، حمل كل منها عنوان "حي بن يقظان"، قام أحمد أمين بتحقيقها ونشرها في كتاب واحد عام 1947، ضمّنه مقدمة ضافية عرّف فيها بالأعمال الثلاثة، موازنا بينها. ولدى نظره الموازن بين عملي ابن سينا وابن طفيل، وجد نقاط تشابه واختلاف بينهما، مرجحا المكانة الأدبية لابن طفيل، بقوله: "ثم نحن لو قارنا بين ابن سينا وابن طفيل من الناحية الأدبية، وجدنا أن ابن طفيل أرقى من ابن سينا بكثير من حيث اللغة والأدب". غير أن ترجيح مكانته أدبياً لا يغلق باب الحوار حول تأثره في إبداع مؤلفه، بمؤلف يشبهه بغير نقطة فكرية وأسلوبية، ألف قبل زمنه بنحو قرن ونصف.

ينزع أحمد أمين إلى فكرة تميز مؤلف ابن طفيل من مؤلف ابن سينا، على الرغم من تشابهه معه في غير مكوّن فكري وأسلوبي، فالنتائج التي يصل إليها بعد عرضه محمولي المؤلّفين تنسجم مع قوله: "أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضا يتصل بالعقل ولكن على نمط آخر، هو رسالة بناها على نظرية له وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، بحيث يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله".

عني د. محمد غنيمي هلال بمؤلفي ابن سينا وابن طفيل اللذين حمل كل منهما عنوان "حي بن يقظان"، فانطلق من كون ابن سينا "أول من ألف رسالة على طريقة الصوفية في الرمز، تسمى رسالة حي بن يقظان". وتوقف على "قصة أخرى فلسفية صوفية، عنوانها "سلامان وأبسال"، قد يكون لها أصل يوناني، ترجمه عنه حنين بن إسحق"، تتصل بقصة "حي بن يقظان"، ضمّها أحد كتب ابن سينا. وبعد مناقشته منجزي ابن سينا وابن طفيل، يلخص هلال نتائج رؤيته للموازنة بينهما قائلا: "يعترف ابن طفيل في مقدمة قصته أنه تأثر بقصة ابن سينا. على أنه في الحقيقة لم يأخذ عنه سوى الاسم، والطابع الفلسفي العام... وقصته فريدة في الأدب العربي القديم، على الرغم من طابعها التجريدي".

تستحضر دراسة مؤلَّف ابن طفيل "حي بن يقظان"، في ثنائية انتمائه إلى هويتي الأدب القصصي والفكر الفلسفي، نظيرتها في مضمار دراسة مؤلفات أبي العلاء المعري (363-449هـ)، (973- 1057م)، الشعرية والقصصية، في ثنائية انتمائها إلى الأدب والفكر الفلسفي، إذ نجد د.شوقي ضيف يدرس شعر المعري في فصل بعنوان "نشاط الشعر والشعراء"، ويخلص في دراسته إلى قوله: "ولعلّ ما أسلفنا من الحديث يوضح في إجمال كيف كان أبو العلاء فيلسوفاً إسلاميا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة"،  من دون الشعور بوجود تعارض ذلك مع أدبية ما كتبه المعري وانتمائه إلى فنون الشعر أو النثر.

من الراجح أن تنوع مواقف الدارسين من قصة ابن طفيل وشعر المعري، في ترجح انتمائهما إلى الفنون الأدبية والفكر الفلسفي، لا يحرمهما كامل الحقوق المعنوية المترتبة على كل انتماء، وهي حقوق يؤسس بها منح قصة "حي بن يقظان" دوراً مهماً في تأصيل الفن القصصي عربياً.

حاشية:

تم التخفف من الحواشي لأسباب فنية

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر