هل كانوا أكثر سعادة !..

مما لاشك فيه, أن جيلنا الحالي, وكذلك الأجيال  التي أتت من بعدنا, قد شهدت قفزات نوعية غير مسبوقة, في المخترعات والتقنيات والأدوات المتداولة التي لاغنى لنا عنها في حياتنا اليومية.. فالثلاجات, والبرادات, والمكيفات, والمدافئ، والمسخّنات, والغسالات الأوتوماتيكية ،وغير الأوتوماتيكية, وآلات التنظيف الآلية واليدوية, وأجهزة  الإذاعة المسموعة  والمرئية, والحاسوب وتوابعه السمعية والبصرية, ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية, ووسائط النقل البري والبحري, وأساليب الإنارة الكهربائية الحديثة. وغير ذلك, كلها مستجدات حياتية, لم يكن آباؤنا وأجدادنا  يعرفونها من قبل, ولم يكونوا مدركين  أن أبناءهم وأحفادهم سيصلون إليها في يوم من الأيام!..

 ولكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في هذا المجال: هل استطعنا الوصول إلى السعادة الحقيقية عبر هذه المخترعات, أم إن السابقين  كانوا أكثر سعادة منا على الرغم من خلوّ حياتهم من هذه المستجدات؟!.

  هل كانوا أكثر سعادة, وهم يدفئون أيديهم على جمرات  الكانون في فصل الشتاء, بينما نحن ننعم بالدفء الكامل, الذي يبثه موقد حديث, أو جهاز تدفئة  مركزي؟

 هل كانوا أكثر سعادة, وهم يركبون (الحنطور) الذي تجره  الأحصنة  المتأرجحة, بينما نحن تقلّنا السيارات الفارهة, التي جهزت بكل وسائل الراحة والترفيه؟

 هل كانوا أكثر سعادة, وهم يغسلون  ثيابهم  في طبق مخصص, أو على شاطئ نهر, بينما نحن نكتفي بوضع ثيابنا المتسخة في حوض غسالة آلية , ثم نغادر إلى أعمال أخرى, ونحن مطمئنون بأن الغسالة ستقوم بواجبها على أكمل وجه؟

  هل كانوا أكثر سعادة, وهم يتناولون رغيف الخبز الطازج, وقد خرج لتوّه من التنور المشتعل , بينما نحن نتناول الخبز القديم, وقد غُلّف بإتقان, أو بات في سلال خاصة ماشاء الله له أن يبيت؟

 هل كانوا أكثر سعادة, وهم يجتمعون معاً عائلةً واحدةً يتسامرون، ويتجاذبون أطراف الحديث, يسأل الأب عن أحوال  ابنه, ويستعرض  الأخ مع أخيه ماجرى معه.. بينما نحن نجلس أمام التلفاز, لايكلم  أحدنا الآخر, ولايلقي بالاً لما يقوله رب الأسرة, نمسك بجهاز التحكم, ونتنقل به من محطة فضائية إلى أخرى؟

  هل كانوا أكثر سعادة, وهم يعيشون في دار عربية, لها حديقة غنّاء، وأرض ديار واسعة, وجدران سميكة تمنع الحر وتقي من البرد.. بينما نحن نعيش  في شقق متلاصقة, كأنها علب كبريت, قلّما نرى الشمس, وقلّما  ننعم بنسمات لطيفة , وقلّما يتمكن أولادنا من أخذ حريتهم في اللعب.

  هل كانوا  أكثر سعادة, وهم يرتدون  السروال الفضفاض, والقنباز المفتوح, والحزام العريض الذي يحمي البطن, والخف الواسع الذي يريح القدم.. بينما نحن نضيّق  على أجسامنا بالبدلات الرسمية المكوية, ونخنق أنفسنا بربطات العنق  المشدودة, وندفن أقدامنا في أحذية ضيقة!.

 ـ ترى .. ماذا حملت لنا المدنية الحديثة؟ هل حملت لنا السعادة والرخاء؟ أم حملت لنا التعاسة والشقاء؟ ألم تقدم لنا شيئاً وتسلب منا ـ أشياء؟  ألم تحرمنا من بساطة العيش التي كان الأولون يحظون بها؟ ألم تحرمنا من قناعتهم بما قسم الله لهم, وصبرهم على المكاره التي تواجههم بين حين وآخر؟ وقدرتهم على التأقلم مع كل عيش جديد ووضع مفاجئ, ألم تحرمنا من تواصلهم مع الآخرين, مع الأقارب، مع الجيران, مع الأصحاب والأصدقاء؟ ألم تحرمنا من الإحساس بلذة العيش؟ ألم تجرفنا ـ ونحن    نلهث ـ  عبر تيار الحياة المادية، التي وضعت مشاعرنا وعواطفنا وعلاقاتنا الإنسانية كلها في ثلاجة مغلقة؟!

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15787