قصة قصيرة أين هي

العدد: 
15787
التاريخ: 
الخميس, 12 تموز 2018

عاد من عمله متعباً.. مرهقاً.. مشى وئيد الخطا متجهاً نحو الحديقة, القريبة من منزله.. دخلها ليستريح من عناء التعب.

 تذكر شبابه.. والده.. مدينته التي تركها بعد أن افتقد حبه الأول الذي تجذر في قلبه .. أمل.. المرأة التي أحبها وعاش معها زمناً كانت نقطة تحول في حياته لا ينساها أبداً.

 هواجس وأفكار لايعرف مداها يحس  بها تجاذبه.. ذكرياتها تأخذه بعيداً.

 تشده إلى الماضي, إلى بلده الذي تركه  وارتبط في هذه المدينة.

 لقد شعر بالغربة لأبعد مدى وبينما هو في زحمة  تأملاته خطر أمامه طفل يبكي..

 التفت إليه.. كان يبكي بخوف ينادي أمه .. مشى الطفل  بعيداً ,. ثم عاد من أمامه ثانية وهو يبكي , تبعه وأمسك به ثم سأله:

 ـ لماذا تبكي..؟  وأين أمك..؟

 ـ أمي لا أجدها

 ـ أين هي ..؟

 ـ في الحديقة هنا.. كانت جالسة هنا في الحديقة.. لاأدري  أين ذهبت..!

 ـ لاتخف  : تعال نبحث عنها هيا..!

 أمسك بيده وسار معه .. شعور غريب شعر به يد الطفل  صارت قطعة منه.. ضغط عليها بحنان وقال له:

 ـ تعال معي  إلى المنزل لنستريح, ثم نبحث عن أمك ثانية  ما  رأيك..؟

  بكى الطفل يريد أمه..

 حمله وذهب به إلى منزله, دخل وحدث زوجته عن الطفل وكيف وجده ثم أوصاها أن تهتم به ريثما يجد أهله.

 نظرت زوجته للطفل ولهشام.. وقالت باستغراب!!
 ـ ماهذا الشبه بينك وبين الطفل أنتما الاثنان بصورة واحدة..! من هذا الطفل  ومن يكون ..؟؟

 ـ ما الغريب بالأمر الناس تتشابه  لقد وجدت الطفل يبكي في الحديقة , أضل  أمه..  هل أتركه يضيع أم أساعده .. ما رأيكِ ..؟

 أجلس الطفل في حضنه  وعانقه حتى استقر  وهدأ ثم سأله عن اسمه أجابه:

 ـ اسمي هشام الصغير .. هكذا تناديني  أمي..

 ـ  أمك, ما اسمها ..؟ وما اسم والدك..؟

 ـ أمي ، أمل.. والدي هشام.  ـ والدك ماذا يعمل..؟

  ـ إنه مسافر منذ زمن أنا لا أعرفه , تقول أمي إنه سيعود..

 عانق  الطفل وقبله ووعده بأنه سيجد أمه, صمت واستغرب  ..تسمر  في مكانه وتمتم قائلاً:

 ـ أحقاً ماتقوله زوجتي.. إنه يشبهني .. وهل هو ابني..؟

 ماهذه المصادفة الغريبة.. إن شيئاً دفيناً استيقظ من جديد. بات ليلته يفكر ويتذكر وكأن كل ماخبأه في ذاكرته اصبح حقيقة..

 تلك الليلة

 لم ينم أبداً .. تذكر أمل الحبيبة والزوجة .. قال :

 ـ هل أصابع القدر بدأت تعبث  بي, إن كل مافي جعبة الذاكرة أراه الآن أمامي  يقف.. أمل المرأة الجميلة التي التقيتها في الملهى وصارت زوجتي هي أم طفلي هشام وأنا والده.. ياللغرابة..!! هل أراها ثانية..؟  وألتقي بها.. ؟ إنه الحب الذي لايموت .. أبعدني عنها والدي رحمه الله قسراً, وزوجني  من ابنة عمي.. عدت إليها بعد زواجي لم أجدها. لقد رحلت , بحثت عنها في كل مكان لم أجدها..

 تركت لي رسالة مازلت أحتفظ بها حتى الآن، ولم أنس كلماتها كتبت :

 (رحلنا أنا وابنك القادم بعد شهور من حياتك, لكن تأكد أنني لن أعود لعملي (راقصة) سوف أبحث عن حياة أفضل من أجلي ومن أجل طفلي..؟) 

 انتفض واقفاً من سريره, إنه هو ابني أكيد إنه هو, ابني وأمه أمل .. ذهب  للغرفة الثانية حيث  يرقد الطفل مع الأطفال أنار الغرفة اقترب من السرير تأمل الطفل  بعمق, عاطفة خفية أحس بها.. إحساس أب وجد طفلاً ضاع منه, قبلّه وعانقه وقال:

 ـإنه ابني وجدته لكن أمل. أين هي ..؟

 عاد لفراشه  سويعات قليلة, ذهب لعمله, حدث صديقه بما جرى معه , أجابه صديقه:

 ـ بلغ الشرطة .. لعل أهله بحثوا عنه ماذا تنتظر.. ؟

 ـ نعم سوف  أفعل..

  لكنه بينه وبين نفسه أحب الطفل وقرر أن يبحث عن أمه أمل, لقد وجد ضالته  حين وجد الطفل.

 مرّ الوقت كئيباً محزناً على  أمل وهي تبحث عن ابنها المفقود , لقد أضاعت هشام.. مشت بين الأشجار في الحديقة.. في ممراتها بين جموع الأطفال المحتشدة حول الباعة وهي تناديه وتبكي..

 أبلغت الشرطة وعادت لمنزلها يائسة وحيدة، كان الصغير يملأ  عليها حياتها..

 ضاع منها هشام.. الخيط الأبيض  النقي الذي يربطها بزوجها.. أغلقت باب منزلها وتذكرت بهذه اللحظة زوجها هشام الرجل الوحيد الذي أحبته وتزوجته وأخلصت له..  الإنسان  الذي أعاد بناء  شخصيتها , وأخرجها من عمل  كانت تكره فيه نفسها.

 كانت راقصة في ملهى ليلي ثم عادت سيدة  وربة منزل وأماً, كبقية الأمهات  بكت بحرقة ولعنت وجودها ، نظرت لصورة  زوجها المعلقة على الجدار قالت له:

 ـ من أنت.. هل أنت وهم أم حقيقة في حياتي وإن ماجرى  معي كان سراباً.. حلماًماذا .. ماهو ..؟

 لماذا كل شيء  يطوح مني بلا رحمة؟ حتى ابني فقدته.. كنت أتوقع كل ماجرى معي.. إلا أن أفقد ابني .. لا هذا مستحيل.

 رمت نفسها فوق السرير تذكرت اللحظة التي تركت هشام, وكانت بداية حملها بطفلها.. تحسست جسدها وهي تكلم نفسها كيف تسعى  النساء بكل ما أوتين من عزم لينجبن.. هل لأنهن سيدات أفضل مني..؟ وكيف يعلقن في دوامة السعادة المرهقة التي لافكاك منها .. إنها لعنة أن ترزقي بطفل ويضيع منك يا أمل.. إنها اللعنة السعيدة الحمقاء.. إنها كانت فرحاً وصارت خوفاً كل الخوف, إنها الارتباط الأبدي  بكائن يخرج من رحمك ويكبر ويركض في الطرقات على هواه.. ليقفز قلبك تحت قدميه  الصغيرتين كلما خطا.. يسألني أين أبوه.. ويعود السؤال, أقول له سافر..

 وإن رآه لن يعرفه.. نهضت أمل من سريرها, أصوات ابنها ومناداته تتصارع في رأسها, استعدت للذهاب إلى عملها..

 خرجت من منزلها, ومشت في الشارع يدثرها  حزن عميق.. دخلت الشركة التي تعمل بها.. استقبلتها زميلتها سألتها عن حالها, حدثتها بما جرى  معها, قال لها: ـ بلغي الشرطة  وضعي صورته واسمه في الجريدة..

 ـ لقد بلغت الشرطة لكن الجريدة , لا .. سأبحث عنه بنفسي..

 مر يوم وتلاه آخر والطفل مفقود.. أمل تبكي ابنها وتخفي بداخلها أحزاناً كثيرة وفي قلبها قصة حب دفنتها سنوات البعد.

 كل يوم تذهب إلى الحديقة .. تمشي  في الشوارع  باحثة عن ابنها لكن دون جدوى.. رأها مدير الشركة  ساهمت باكية فسألها مابها.. حدثته  ماجرى معها قال لها :

 ـ ألديك صورة صغيرة لابنك..؟

 ـ أجل إنها معي . هاهي..

 أخذها وأعطاها للمسؤول عن تغليف البسكويت  وقال له:

 ـ ضع  في كل علبة بسكويت إعلاناً صغيراً مع صورة الطفل ورقم هاتف منزله ثم نظر إليها وهو يبتسم قائلاً:

 ـ أمل.. ما رأيك بفكرة هذا الإعلان... بهذه الطريقة . نجد الطفل إن شاء الله.. إنه ليس ابنك وحدك إنه ابننا جميعاً.. أنت إنسانة خلوقة ومحترمة.

 أيام والطفل مازال في بيت هشام, يلعب ويلهو مع الأطفال أحياناً ويبكي أحياناً  يريد أمه..

 عاد هشام من عمله يحمل المأكولات التي يحبها الصغار مع بعض  قطع البسكويت  المغلف فتح البسكويت ليقدمه للصغير فوجد نشرة صغيرة داخل المغلف إنها صورة هشام مع  رقم هاتف أسرته, مفاجأة لم يتوقعها أبداً... استغرب والتفت إلى  زوجته.. ـ انظري ماهذه الطريقة لإيجاد الطفل.

 ـ أجل طريقة  رائعة .. ماذا تنتظر هيا.. اتصل بمنزل الطفل, إن أمه تكاد تموت حزناً عليه هذا هو رقم الهاتف .. هيا.

 اتصل هشام بأمه وسألها:

 ـ هل هذا بيت هشام الطفل الضائع..؟

 ردت عليه أمل , نعم .. وصمتت ..  الصوت ليس غريباً عنها.. سمعته  منذ سنوات ثم اختفى  ونفته من وجودها, إنه هو.  دارت الدنيا بها كيف تجيبه ويسمع صوتها!

 كرر السؤال عليها:

 ـ هل هو بيت هشام الصغير:

 قالت بصوت منخفض خرج رغماً عنها:

   ـ أجل هو .. هو ..

 ـ أنتم وضعتم إعلاناً مع قطع البسكويت  مع صورة الطفل..؟

 ـ نعم .. نعم.. وأنا أمه وهشام ابني, هل هو عندكم.؟

 بهذه اللحظة نسيت كل شيء.. فرحت واستبشرت خيراً.. لم يعد تفكيرها إلا ابنها..

 ـ نعم .. اين أنتم وأين منزلكم.. أريد ابني.

 التفت هشام إلى زوجته وأعطاها الهاتف لأنه لم يستطع محاورتها أكثر لقد عرفها من نبرة صوتها إنها هي أمل الحبيبة الضائعة المفقودة.

 حدثتها زوجته بهدوء وأعطتها عنوان المنزل, قالت لها: نحن بانتظارك, لكن هشام مازال في دوامة لقاءه معها.. كيف يلقاها..؟ وتساءل:

 ـ أجل كيف ألقاها.. ماهذه الأعجوبة..؟ إنها معجزة من معجزات القدر. خرجت من حياتي منذ أكثر من أربع سنوات, وأيقنت أني لن ألقاها.. إنها لمعجزة...

  لحظات .. كانت أمل تقرع باب المنزل, فتحت زوجته الباب..

 اسقبلتها بحفاوة .. رحبت بها تهدئها. جلست وعيناها دامعتان.. قالت لها:

 ـ أين طفلي ..؟ هذه صورته , وأنا التي وضعت صورته ورقم الهاتف بغلاف البسكويت , إنني أعمل في شركة البسكويت هذه.

 سمع هشام صوتها.. تردد في الدخول إليها, المفاجأة كانت  فوق احتماله.. كيف يلقاها!!.. وكيف تستقبله .. وكيف يصافحها ويده تلامس يدها.. ! كيف ينظر إليها وتلتقي نظراتها بنظراته, يسمع صوتا ويحدثها .. لا .. لا.

 أي قدر جمعه بها..

  استجمع قواه وفتح الباب ومعه هشام الصغير..

 نظرت أمل للرجل الذي أمسك بابنها ودخل . أحست أن جليداً طوق جسدها تمتمت في داخلها:

 ـ إنه هشام.. زوجي .. ياللمصادفة! لكنها أسرعت إلى ابنها واحتضنته.

 تذكرت زوجة هشام في هذه اللحظة كل شيء وعرفت أنها هي المرأة التي أبعدها والده عنها وزوجه  منها لكنها.. تصرفت بوعي وصمتت.

 

 

 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
رامية الملوحي