من الذاكرة الحموية البوسطة

العدد: 
15789
التاريخ: 
الاثنين, 16 تموز 2018

لفيروز أغنية شهيرة عن البوسطة غنتها في مسرحية ميس الريم التي عرضت منذ أكثر من أربعين عاماً على مسرح معرض دمشق لدولي و التي شاهدتها في حينه ,حيث تقول فيروز في هذه الأغنية : ( عهدير البوسطة اللي كانت ناقلتنا من ضيعة حملايا لضيعة تنورين .... إلخ ) .

       إذن فالبوسطة هي من تراث الماضي و كانت تستعمل لنقل الأشخاص و الأغراض و تسمية البوسطة عرفت أيام الانتداب الفرنسي ذلك أن كلمة البريد في اللغة الفرنسية هي poste حيث إن البريد كان يتم نقله بين المحافظات على متن هذه السيارات لذا سميت السيارة (بوسطة) كذلك فإن كلمة (بوسطجي) وهي موزع البريد جاءت أيضاً من الكلمة الفرنسية المذكورة أعلاه. لقد حل محل البواسط , البولمانات و الباصات و الميكروباصات و الميكرويات . فالبوسطة تشبه باص الهوب هوب لكنها أصغر منه بقليل و محركها متوضع أمام السيارة من الخارج . وهناك ثلاثة أنواع من البواسط :

        النوع الأول من البوسطات هي التي كانت تعمل على خط دمشق و حلب , وباقي المدن الرئيسية و هذه البوسطات كانت تتسع الواحدة منهن لحوالى أربعين راكباً أما النوع الثاني من البواسط فهي التي كانت تعمل على خطوط المناطق و القرى و هذه كانت تتسع الواحدة منهن لحوالى خمسة و عشرين راكباً و النوع الثالث كانت أصغر من سابقتها و كانت تتسع لحوالى خمسة عشر راكبا و أن أقدم بوسطة و أشهر بوسطة من النوع الثالث الذي ذكرته كانت بوسطة المرحوم علي جمران التي كانت تعمل على خط سلمية – حماة منذ أوائل الأربعينات . وأن سقفها كان من القماش المتين من نوع قماش الشوادر . إلا أنه فيما بعد قام المرحوم علي جمران ببيعها لشخص من قرية الصبورة يدعى أبو ابراهيم الذي قام بتصنيع سقف معدني للسيارة بدلاً من السقف القماشي , إن أفضل مكان للجلوس في البوسطة هو الكرسي الذي يوجد بجانب السائق حيث كان يجلس عليه الشخص الذي له حظوة كبيرة لدى السائق أو الركاب كذلك فقد كان يوجد في البوسطة من باب الاحتياط كراسٍ خشبية مقششة صغيرة لوضعها في الممر لجلوس الركاب عليها في حال امتلاء المحلات بالركاب . و أحياناً عند الازدحام و عدم بقاء محلات في البوسطة سواء على المقاعد أم على الكراسي في الممر . لا سيما في بواسط المناطق و القرى ,فقد كان الركاب يجلسون على ظهر البوسطة مع الأغراض الموضوعة على ظهر البوسطة .... وفي بعض الأحيان كان يجلس الشخص على مقدمة البوسطة على كل من الرفرافين فوق الدولابين الأماميين . و أنا شخصياً عندما كنت فتى يافعاً لم يكن يحلو لي إلا الجلوس فوق الرفراف أثناء ذهابي أو عودتي من قرية تل عدا إلى سلمية و عندما كان أحدنا يجلس فوق الرفراف كنا نمسك بيدنا خشية الوقوع ما هو مثبت على مقدمة غطاء المحرك فإما يكون بشكل طائر أو بشكل حصان وما إلى غير ذلك .

         كان يتم رفع بلور نافذة البوسطة أو تنزيله بواسطة قشاط كتاني سميك طوله حوالى نصف متر وعرضه حوالى خمسة سنتميترات حيث كان له ثقبان . وهذان الثقبان يتوضعان على نتوء معدني مثبت عند طرف الشباك,أحد الثقبين يسمح برفع بلور الشباك حتى المنتصف بينما الثاني يسمح برفع بلور الشباك حتى الأخير .

       لم يكن يوجد من الخارج على نوافذ البوسطة أي قضبان للحماية لذا كان يكتب على جوانب سقف البوسطة من الداخل عبارة (ممنوع مد الرأس و اليدين من النوافذ) و أحيانا عند الازدحام للصعود إلى البوسطة فقد كان بعض الركاب من الشباب يصعدون إلى البوسطة من النافذة لحجز المحلات وبعد صعودهم يقومون بأخذ الأطفال و إدخالهم للبوسطة من الشباك حتى أن أحدهم ذات مرة أدخل زوجته من الشباك . كانت جوانب سقف البوسطة من الداخل مليئة بالعبارات إضافة إلى العبارة التي أوردتها آنفا ضمن العبارات المتعلقة بتعليمات الركوب في البوسطة هذه التعليمات هي : ممنوع تغيير المحلات – يجب على الركاب حمل هوياتهم – احترموا الشيوخ و السيدات – لسنا مسؤولين عن فقدان الأغراض داخل السيارة – لا تبصق داخل السيارة – ممنوع التكلم مع السائق و غيرها ... كذلك فإنه كانت تكتب أيضا بعض العبارات الوجدانية مثل : سارحة و الرب راعيها – هذا من فضل ربي – اتق شر من أحسنت إليه – لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله – الحسود لا يسود – يا رضا الله و رضا الوالدين – عين الحاسد تبلى بالعمى ... وغيرها .

        بالنسبة لبواسطات المناطق و القرى فقد كانت تأتي من القرى في الصباح الباكر حيث كانت البوسطات القادمة من مناطق وقرى شرقي حماة تتوقف في ساحة الحاضر , أما البوسطات القادمة من غرب حماة فقد كانت تتوقف في ساحة حارة الجسر مكان المخبز الآلي حالياً حيث تعود هذه البواسطات إلى القرى و المناطق بعد صلاة الظهر . أما بواسط دمشق و حلب فقد كان كراجها في أول طلعة العلمين .

        في منتصف الستينات تم تحويل عدد من البواسطات و جعلها باصات و هي ما تسمى باصات الهوب هوب و هي التي كانت تسير على خطي دمشق و حلب ومازالت . أما بواسطات المناطق و القرى فقد تلاشت تدريجياً بعد انتشار الميكروباصات و الميكرويات . وهنا لابد من التنويه إلى أنه في لبنان مازالت البواسط تعمل , فهي تصندق حتى الآن بنفس النموذج القديم إلا أن التحديث دخل إليها لتصبح من الداخل بنفس مواصفات البولمان .

و هكذا فإنني أعطيت وصفا للبوسطة بشكل عام و الآن سأتكلم عن السفر بالبوسطة و سأقتصر في حديثي عن السفر في البوسطة على طريق حماة حلب لأن نفس الأسلوب هو المتبع بالسفر على طريق حماة دمشق .  لم يكن للبوسطة المنطلقة إلى حلب أو دمشق وقت محدد و إنما تظل البوسطة واقفة حتى تمتلئ . وقد يأخذ ذلك عدة ساعات , وهذا كان سبباً في أن بعض المسافرين كانوا ينتظرون في ساحة العاصي البوسطات الحلبية القادمة من حلب و المتجهة إلى دمشق و بالعكس كي يصعدوا إليها . و لكن كان بعض عمال الكراج يمنعون الركاب من الصعود في البوسطات الحلبية و كانت تحدث مشادات بهذا الخصوص إلا أن ذلك لم يكن ليمنع الركاب الحمويين من الصعود إلى تلك البوسطات . كانت البوسطة المتجهة إلى حلب تنطلق بعد أن تمتلئ و هي محملة بالركاب و الأغراض و البضائع توضع على سطح البوسطة حيث يتم تثبيتها بواسطة الحبال منعا من سقوطها . وللصعود إلى سطح البوسطة كان يوجد سلم خشبي في الكراج يوضع على جانب البوسطة أو بواسطة السلم الحديدي المثبت خلف البوسطة و الشخص الذي كان أكثر شهرة في تحميل الأغراض على ظهر البوسطة وتنزيلها هو شخص لقبه أبو سمرا لأنه كان شديد السمرة وكان يعمل في كراج دمشق و حلب . كانت البوسطة أثناء مسيرها على طريق حماة– حلب تقوم بتحميل الركاب و الأغراض على الطريق ليس إلى حلب فقط و إنما من قرية إلى قرية فمن صوران مثلا إلى مورك . وقد يكون الراكب معه أغراض و يتم الاتفاق معه على أجرة تلك الأغراض . وكثيراً ما كان يتم تنزيل الأغراض من سطح الباص بعد تحميلها في حال عدم الاتفاق على الأجرة.

        أحيانا يتم تحميل المواشي من غنم أو ماعز حيث كان معاون البوسطة يضعها في الممر الكائن بين المقاعد . وللقارئ أن يتصور كيف كان الراكب في مقعده و أن الخروف أو التيس يكون واقفا بالممر إلى جانبه و كثيراً ما كان الخروف أو التيس يعطس أو يسعل و يصيب الراكب الذي بجانبه ببصاقه . و أحياناً يكون الخروف كبشاً له قرون و التيس أيضاً و من خلال حركة رأسه كان يصيب بقرنه الراكب الذي بجواره . ناهيك عن الروائح المنبعثة من الماشية لا سيما إذا بال الحيوان أو غير ذلك ... وخصوصاً عندما تسقط هذه المخلفات على أرض البوسطة و تتناثر ذرات المخلفات لتصيب ثياب الركاب . كذلك فإن الحشرات من ذباب و غيرها و التي تكون متوضعة على جلد هذه الحيوانات فإنها تتطاير في داخل البوسطة لتقف على وجوه الركاب . وكم من مشادات حصلت بين الركاب من جهة و السائق و المعاون من جهة أخرى بسبب هذه الأمور . كانت البوسطة عندما تصل إلى المعرة فإنها تتوقف في ساحة المعرة حوالى ساعة لتحميل الركاب و الأغراض و كان بعض الركاب خلال تلك الفترة يذهبون لتناول الساندويش أو الشعيبيات التي اشتهرت بها المعرة من المطاعم الموجودة في ساحة مدينة المعرة . بعد ذلك تستأنف البوسطة سيرها و كالعادة يتم تحميل و تنزيل الركاب و البضائع على طريق سيرها و في نهاية المطاف كانت البوسطة تصل إلى حلب حيث كان كراج بوسطات حماة في ساحة باب الفرج, وبجانبه كان يوجد كراج السيارات الصغيرة .

        من خلال استعراض واقع الرحلة كما ذكرته آنفاً فإن رحلة البوسطة من حماة إلى حلب كانت تستغرق حوالى الأربع ساعات بحدها الأدنى كانت أجرة الراكب البوسطات هي ليرتان سوريتان , أما أجرة الطالب و العسكري فهي ليرتان إلا ربع . أما البوسطات المتجهة إلى دمشق و منها فقد كانت تسير بنفس الأسلوب السابق إلا أن لها محطتين للتوقف , الأولى في حمص لتحميل الركاب و البضائع و الثانية في النبك لتناول الطعام و الساندويش . كانت أجرة الراكب إلى دمشق هي ثلاث ليرات . أما العسكري و الطالب فكانت الأجرة هي ثلاث ليرات إلا ربع.  في الأيام الباردة أو الماطرة كان يتم رفع زجاج كافة النوافذ و نظراً لعدم وجود مكيفات لشفط الهواء في حينها , فإنه كثيراً ما كانت تخرج روائح لعينة من الركاب لا سيما الأطفال . وعندها كان السائق أو المعاون يصرخ و يلعن كل من (..............) مصحوبة أحيانا بشتائم من العيار الثقيل , كذلك في الأيام الماطرة كان معاون السيارة يقوم بتغطية الحمولة المتوضعة على ظهر البوسطة بواسطة شادر يتم تحكيم ربطه جيداً  في منتصف الستينات لم تعد البوسطات تسير على خطي دمشق و حلب، حيث حل محلها البولمانات وباصات الهوب هوب و الميكروباصات . وكلمة الهوب هوب جاءت من خلال أن الباص و أثناء سيره على على الطريق كان يتوقف للتحميل أو التنزيل فالراكب الذي يكون واقفاً على الطريق ويريد الصعود إلى الباص فإنه كان يؤشر للباص بيده للوقوف و هو يقول هوب هوب . أما الراكب الموجود في الباص و الذي يريد النزول فإنه كان يقول للسائق هوب هوب كي يتوقف السائق و ينزل الراكب في القرية أو المكان الذي يقصده .

 

و إلى ذاكرة حموية قادمة

سقى الله ذلك الزمن                 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
المحامي : معتز برازي