دور الأهل في التقليل من مخاطر مشاهدة التلفاز عند الأطفال

العدد: 
15790
التاريخ: 
الثلاثاء, 17 تموز 2018

كثر هم الأطفال الذين يعانون من صعوبات التواصل مع المحيط من أهل و أصدقاء وعامّة ، و لعلّ أهم ما يميز قصور التواصل هذا عدم تفاعلهم الخطابي و الكلامي مع من يحيطون بهم ..حيث نجد الأهل يكثرون الشكوى من أبنائهم ، لا يطيعون ، لا يتحدثون ، لا يستجيبون للنداء والأوامر و النصائح و النواهي .. و إذا ما أردنا البحث وراء أسباب هذه السلوكيات المكتسبة لوجدنا الكثير من أولياء الأمور يتركون صغارهم أمام التلفاز خاصةً أمام قنوات معينة و ذلك لطمعهم بأمورٍ عديدةٍ منها عدم إزعاجهم أو الذّهاب لأعمالهم أو لعدم مخالطتهم أو العبث بمحتويات البيت و أثاثه . فنجد الكثير من الأطفال يتحوّلون من أطفالٍ طبيعيين إلى أطفالٍ ذوي احتياجات خاصة. لقد دخل جهاز التلفاز كل بيت وكل حياة لدرجة أنه أصبح عادّةً يوميّةً يتناولها الأطفال مع كامل تفاصيل حياتهم ، وآخر ما تلتقطه عيونهم قبل النوم، حيث يتشربون منه سلوكياتهم وأفعالهم اليومية، محاولين تقليد كل ما يصدر عنه دون وعي، ومن الملاحظ أن الأسرة كثيراً ما تترك أبناءها فريسة لهذا الجهاز، هائل التأثير صوتاً و صورةً و بكل ما يحتويه من مشاهد عنيفة ومخلة بالأخلاق.
 دراسات إحصائية أثبتت أن برامج الأطفال تظهر مشاهد عنف أكثر بـ (50 ـ 60 مرة) من برامج الكبار و قد لا يخلو الأمر من أفلام الكرتون التي تتضمن أكثر من 80 مشهد عنف في الساعة.
السيدة مروى و هي أمٌّ لطفلين و تعمل في صالة بيع لفترتين يوميّاً تقول: إن ابنها قد بلغ سنته الثالثة من عمره و لم ينطق بعد و جرّاء فحص الطفل سريريّا تبيّن سلامته العضوية ً و إنّما تأخره بالكلام كان نتيجة عدم وجود الصلة بين الطفل و أمه و أبيه فهو لا يتلقى لغته إلا من خلال التلفاز و برامج الأطفال وهذا ما يجعل مهارات التّواصل لديه بأقل حدودها ، سيّما أن الأطفال يستفيدون من التفاعل الاجتماعي لتطوير اللغة لديهم إضافةً إلى قوّة التأثير الإيجابي للمحادثة بتطوير اللغة ، فتعليم اللغة بمحادثتها و نطقها له الأثر الأهم والأقوى من سماعها.
أمّا السيّدة لبنى و هي أيضا أم لثلاثة أطفال فتشكو من سمنة أولادها المفرطة بعد إهمالٍ غير محمود العواقب لهم  و نسيانهم ساعات طويلة أمام التّلفاز مع تناول المزيد من الوجبات غالبيتها قائمة على الأطعمة غير الصحية كالمعجنّات، وبالطبع بعد تأثرّهم بالإعلانات التلفزيونية التي تشجع غالباً على الوجبات والأغذية منخفضة القيم الغذائية مثل : رقائق البطاطا، والمشروبات الغازية. أيّ واقعٍ يعيشه أطفالنا بين جدران لا يرون فيها إلّا ضيق المسافات و انحباس الهواء للحد الأدنى و أمام شاشات لم يعد يعرض عليها إلا العنف و الثقافات المستوردة المشحونة بالخوف و الظلم و الاستعباد والعدوانية، لقد أصبحوا بسبب إهمالهم و الانشغال عنهم و عن مشاكلهم ومشاعرهم مرتبكين أمام أي موقف لا يميزون خطأهم من فاقدين لأبسط مهارات التواصل الاجتماعي سواء مع الناس أو عوامل الطبيعة و خبرات الحياة ، غير متقبلّين لواقعهم سيما أن الخيال يبدو إليهم واقعاً و كم نجد ذلك مؤثّراً على سلوكياتهم إذ يعرضهم للكوابيس و صعوبة النوم واضطرابه .
ولدى الحديث مع الدكتور عدنان جرعتلي أخصائي و استشاري صحّة وسلوك أطفال سرد أهم الانعكاسات الإيجابية والسلبية التي تنتج عن مشاهدة الأطفال الطويلة للتلفاز قائلاً : للتلفاز الكثير من الانعكاسات الايجابية و السلبية التي تنعكس على الطفل و سلوكه في حاضره و مستقبله و لعلّ أهم انعكاساته الإيجابية انه يزيد من ثقافة الأطفال نحو العالم والحياة المحيطة، إذ يتعلم من خلال مسلسلات الكبار نسيج الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الناس، و زيادة فى الحصيلة اللغوية والمفردات والمعاني أما الانعكاسات السلبية فموجزها:
ـ  التأثير على العقيدة والدين لأن معظم الجهات المسؤولة عن إنتاج أفلام الكرتون هي يابانية أو أمريكية أو مخالفة للبيئة المحلية ، إرهاق العينين والتعب الجسدي نتيجة الجلوس الطويل بشكل غير مريح، قتل الخيال عند الأطفال لوجود الأفلام الخيالية  التأثير على التحصيل الدراسي الجلوس الكثير يؤدي للعزلة عن الآخرين باعتبار التلفاز بديلاً عن الوسط الاجتماعي المحيط  استخدام العنف والقوة كوسائل رئيسية لحل المشكلات  الإجرام أو الانحلال الأخلاقي الذي قد ينجم عن مشاهد أفلام ومسلسلات الكبار وتقليدها الكسل والخمول وقلة الحركة وبالتالي السمنة، ممايقلل من الإبداع والتفكير بشكل مستقل حيث يصبح الطفل مجرد متلق سلبي للمعلومة دون أن يكون له أي دور إيجابي أو تغذية راجعة.
• وقد يشاهد الأطفال أفلاماً غير أخلاقية وبالتالي يبلورون أفكاراً خاطئة عن العلاقات الجنسية.
 و نعود بدورنا للتركيز حول دور الآباء الذي لا يقل أهمية عن دور المجتمع والمدرسة باتباع برنامج سلوكيّ منظم مع الطفل متضمنّاً العديد من النصائح أهمها التقليل من استخدام التلفزيون لمدة ( 1-2) ساعة يومياً مع الاهتمام بالنوعية، جعل أجهزة التلفزيون خارج حجرات النوم و الراحة بل ووضعه في مكان بعيد حتى لا يكون ضيفاً دائماً على الأسرة، مراقبة و معرفة محتوى البرامج التي يشاهدها الأطفال، حتى لو كانت مخصصة لهم، عدم ترك فجوات معرفية في ذهن الطفل و إجابتهم عن الأسئلة التي تدور بأذهانهم حول ما يستجد عليهم من مفاهيم شاهدوها، ومحاولة تصحيح معتقداتهم و مكتسباتهم الخاطئة. عدم استخدام التلفزيون أو ألعاب الفيديو قبل الذهاب إلى المدرسة تفاديا للتشويش الذي قد يصيب الطفل أثناء دوامه . فتح التلفاز في أوقات معينة و منتظمة وانتقاء البرامج حسب نوعيتها بما يناسب أفراد الأسرة ، سيّما الأطفال و تنشئتهم وتعويد الطفل على التفريق فيما يشاهده بين الواقع و الخيال و عدم تقليد كل شيء يراه ، خاصة المشاهد الانفعالية التي تبقى عالقة في أذهان الأطفال حتى النّوم . ولعلّ الأهم من ذلك كلّه المزيد من المحبة و الاحتضان مع مساحة الحوار التي لا تخلو من الاستيعاب و الديمقراطية وعدم الإجبار أو الفرض ، و المزيد من الاهتمام بالهوايات و الأنشطة و الرياضات و تنشئتهم على ما يحبّون باعتدال و على تفهّم مسؤولياتهم و توازن غذائهم و غرس ثقافة المسؤولية إلى حدّ تفهّم الواقع والتكيّف معه بمنطقية .
 

الفئة: 
المصدر: 
رندة عبيد