على ضفاف العاصي : التزويق و التلميع

 يقول المتنبي :
 حسنُ الحضارة مجلوبٌ  بتطريةٍ         
                       وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ
 أفدي ظباءَ  فلاةٍ ماعرفن بها              
                         مضغ الكلامِ ولاصبغَ الحواجيبِ
 والحق أنه ماكانت عليه الأحوال أيام المتنبي بين البداوة والحضارة ليست كما هي الحال اليوم، فالحسن مجلوب في البداوة مثلما أنه مجلوب في الحضارة, ذلك أن وسائل التزويق والتجميل  وصلت إلى كلِّ  مكان ولو كان قصيٍّ وبعيد, كما أنها وصلت إلى كلِّ يد وإلى كل خد.
  والحقُّ أيضاً أن التزويق والتلميع محبب إلى كل نفس ذلك أن الله جميل يحب الجمال, ولكن الإشكالية التي يخلفها أن هناك مساحيق  تغير السحنة تماماً فتضفي على البشرة  بياضاً أخاذاً ولماعاً وتزيل مافيها من ندوب وآثار وتجاعيد، ومثال ذلك مايسمونه (السليماني ) حيث يغير ملامح الوجه  تغييراً كبيراً نحو الأحسن والأجمل, ولكن حين يُزال هذا المسحوق تتضح ملامح البشرة وألوانها على حقيقتها حيث الندوب والحفر المخفية والسمار الداكن, فإذا بأحوال  المعجبين قد تغيرت وتبدلت مع تبدل الحال وانكشاف المآل.
 يقول الشاعر:
 بدا له الحسنُ وهاجاً  فهامَ به           
                      والحسنُ أمرٌ لديه الكافُ والنونُ
 حين كانت المساحيق  تغطي الوجه، والمسكرة تزين الجفون وتفتنها, تحقق الإعجاب وكانت الخطوبة وتم الزواج أيضاً، ولكن المشكلة التي تسطع  بعد الزواج أن الأمور تتضح على حقيقتها ويزول الجمال المصطنع ويبدو الوجه والشكل كما هو في الواقع والحقيقة. ومن هنا يبدأ مسلسل الخلافات الزوجية فتتبدل المحبة بالكره، ويتبدل الإعجاب بعكسه، وتتنكد الحياة الزوجية، لذلك من الأفضل بعد أن يتم الإعجاب أن يتم الإفصاح عن الحالة الحقيقية بدون مساحيق  وبلا تجميل وتزويق، فإن استمر الإعجاب ودامت المحبة يُسار في الطريق  إلى آخره ويكلل بالزواج، وعندئذ يكون الزواج سعيداً وميموناً، ولكن إذا زال الإعجاب بزوال (السليماني) وسواه من المساحيق،  فالأفضل الانفصال قبل أن يتراكم الخطأ الذي ينكد الحياة الزوجية ويصبح  الزوج مشغولاً  بالبحث عن السعادة خارج إطار مخبأ الحياة الزوجية وهذا مايغضب  الله، أو أن يقع الطلاق كحلّ نهائي  للمشكلة وهو أبغض الحلال إلى الله.

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15790