على ضفاف العاصي : حين تصير الكلمة وطناً

 كل مهتم بالنشاط الثقافي, والمتابع له يعلم أن هذا النشاط توقف عدة سنوات بسبب ماتعرضت له سورية من محنة مؤلمة, ومؤامرة كونية كبرى عصفت بها.. ثم عاد هذا النشاط منذ ثلاث سنوات أو يزيد في مديرية الثقافة بحماة، واتحاد الكتّاب العرب، ونادي الرابطة الفنية... وكان نشاط مديرية الثقافة مميزاً بتكريم عدد من القامات العالية من شعراء وأدباء المحافظة .

 وكنت أقول دائماً إن تكريم القامات  العالية , سُنّة حميدة يجب أن تستمرّ لتشمل الذين يستحقون التكريم, وذلك لما قدموه في حياتهم من عطاءات  تجعلهم أهلاً لهذا التكريم. وقد تحقق  ماكنت أتمناه, فهاهي وزارة الثقافة قد بدأت بالإعداد للمهرجان الثقافي الأول في محافظات عديدة, ومنها محافظة حماة.. وسوف  تقوم مديرية الثقافة  في هذه المحافظة بين 26 و30/7/2018 بتكريم عدد من الشعراء والأدباء والفنانين عرفاناً  بفضلهم، وتقديراً لجهودهم.. وهي فقرة من فقرات عديدة  تحتوي على المحاضرات, والندوات ،والأمسيات الشعرية, والفنية..

 والمواطن المخلص  لوطنه ،والمدافع عنه, يشعر  بالغبطة والسعادة, لما في ذلك  من شعور  بأن الوطن بدأ يتعافى مما أصابه بسبب ما أطلقوا عليه ( الربيع  العربي) الذي  أتى على سورية بالويلات, والمآسي, وكان الأوْلى أن يُسَمّى ( الجحيم العربي).

 وعَوْد على بدء أقول : مشكورة مديرية الثقافة بحماة ،والشكر أيضاً لاتحاد الكتّاب العرب, ونادي الرابطة الفنية.. ولكل من قدَّم نشاطاً مهما كان شأنه.. والثقافة.. بكل ألوانها لها دور عظيم في حياة الشعوب, ونهضة الأمم. وهي ليست شيئاً ثانوياً, أو هامشياً كما يظن الكثيرون.. فهي تعني الاستقامة , والصلاح.. فإذا عَمَّت  الثقافة  الوطن والمواطن, ساد الوعي, ونهض الوطن والأمة, واختفى ما رأيناه في السنوات العجاف الماضية من سلوك بعض الناس سلوكاً غير صحيح أتى على الوطن بنتائج وخيمة, بل مهلكة .. لأنهم لم يكونوا على درجة من الوعي يُنقذهم من هذا السلوك..

 والمعجم يقول في أصل كلمة ( ثقافة): ثَقِف الرمحَ: أي قَوَّمه وسَوَّى اعوجاجه , والثِّقاف : آلة تسوَّى بها الرماح المعْوَجَّة, والمثَقَّف: هو الرمح أيضاً  ،ولكننا الآن نستعمل كلمة ( مُثَقَّف) على المجاز، دلالة على  أن الشخص قد صلحت حالُه, واستقام خلقه, واستوى  سلوكه بين الناس ،وصار مُلِمًاً بمعارف متنوعة.

 وعليه فالثقافة ضرورة لكل فرد في الوطن, بل هي الغاية القصوى التي ينبغي علينا السعي لغرسها في كل مواطن, لكي يكون مثقفاً, ونزيهاً, ومستقيماً.. ووطنياً لامتآمراً, وَبَنَّاءً لاهَدَّاماً .. وقوياً لاضعيفاً .. وشجاعاً لاجباناً.. وغَيْريّاً لاأنانيّاً، ونظيفاً لافاسداً أو انتهازياً.. بالثقافة يُبْنى الوطن بأيدي المواطنين المخلصين الشرفاء, ويختفي  الفاسدون, والوصوليون, والمتسلقون, وتزول من وطننا الحبيب الأوجاع والآلام التي أَرَّقَتْ الكبير والصغير فينا على حَدٍّ سواء.

   

 

 

 

 

 

الكاتب: 
د. موفق السراج
العدد: 
15791