يا سامعين الصوت !

العدد: 
15794
التاريخ: 
الاثنين, 23 تموز 2018

حدائق عامة ، كانت رئاتٍ لمدينة حماة ، تتنفس عبرها الشوارع والساحات ، وتستنشق من خلالها المناطق المكتظة بالسكان ، تستنشق نقي هوائها وعليل نسيمها وتشتم عبق زهورها وشذى أورادها ، وتطربُ لشدو بلابلها ، وهديل حمامها ، وزقزقة عصافيرها ..هذه الحدائق أغلقت  فجأة أبوابها بعد أن  كانت مفتوحة للجميع ، وسورت فجأة ممتلكاتها بعد أن كانت ملكاً للجميع ، ومنعت فجأة زياراتها بعد أن كان الجيران وضيوفهم يؤمونها بين حين وآخر من دون رقيب يعد خطواتهم ، أو حارس يحول دون دخولهم ، أو محاسب يطلب منهم أجراً مقابل استمتاعهم بأجوائها النقية ، أو مناظرها الخلابة ، أو اطلالتها الساحرة ، أو شجيراتها الوارفة !!.
وأرصفة كانت أذرعها مفتوحة ، لاحتضان كل مارّ يخطو فوقها ، كانت رمزاً للأمان ، وعنواناً للاطمئنان ، يقصدها الصغير والكبير ، والشاب والفتاة ، هرباً من مخاطر الطريق ، وفراراً من زحمة السير وتدافع السيارات والمركبات ، واتقاءً لجنون الدراجات النارية التي تسابق الريح ، من دون رخصة تؤهل ممتطيها للسواقة ، أو تؤكد وصوله للسن القانونية ..هذه الأرصفة تحولت بقدرة قادر إلى متنزه عام ، ومجالس للشباب اللاهي ، أجل فقد ملأت أرجائها مقاعد ملونة وموائد مفتوحة تحول دون وظيفتها الرئيسية ، وهي استقبال المارة ، أي مارة بغض النظر عن عرقهم أو لونهم أو طبقتهم ، يحار المرء كيف يمر بين هؤلاء الرواد ، الذين وزعوا هنا وهناك ، وزرعوا طاولاتهم في كل مكان ، وأفلتوا العنان لعيونهم كي تحملق في كل مار ، وتتملى في حسن وجمال كل فتاة غادية أو رائحة ، وتزعج كل من تسول له نفسه أن ينغص جلستهم أو يفسد خلوتهم !!.
وجوانب طريق ..كانت في متناول الجميع ، يقصدها أي سائق سيارة ، يريد أن يبتاع غرضاً ، أو يقابل أحداً ، أو يزور طبيباً أو محامياً ، أو يفتح دكاناً أو مكتباً  ..هو يدفع ما عليه من ضرائب ومستحقات ومن بينها طبعاً رسوم الطريق والأرصفة ، ومن حقه أن يركن سيارته في المكان الذي سبق الآخرين إليه ، من دون عرقلة للمرور ، أو مخالفة لقوانين السير ..هذه الجوانب الطرقية ، لم تعد متاحة للجميع ، ولم تعد مجانية للجميع ، هناك أجور ملزمة ، عليه أن يقوم بدفعها ، مقابل عدد الساعات التي عليه أن يقفها ، وعلى الرغم من أن هذا العمل في حد ذاته غير قانوني ( وذلك حسب رأي زملائنا الحقوقيين والمحاميين ) ، إلا أن الشركة المكلفة به مصرة على استمراره ، ومصرة على أن تضم الشوارع الأخرى إلى قوانينه ، ومصرة على أن تستنزف أموال المواطنين بهذه الطريقة الاستفزازية ، وكان الأولى بها أن تسعى إلى شراء أراضٍ واسعة ، كي تقيم عليها كاراجات نظامية لوقوف السيارات ، كما هي الحال في المدن المتقدمة ، والتي سبقتنا في هذه الخدمات بأشواط .
هنيئاً لذوي مقاهي الحدائق ، ومتنزهات الأرصفة ، ومواقف الطرقات ..اسرحوا وامرحوا كما تشاؤون ، فما من أحد يهتم بمخالفاتكم ، وما من مسؤول يسعى إلى ردّ الحقوق إلى خصومكم ، وما من جهة ستلتمس شعرة من مكتسباتكم ، التي وصلتم إليها بعرق جبينكم ، وذكاء تصرفكم ، ودعم وساطتكم ، وعلو مكانتكم ، وسعة اطلالتكم على العبارة المأثورة (نعرف من أين تؤكل الكتف) !!!.. 

الفئة: 
الكاتب: 
د . موفق أبو طوق