وللباذنجان قصة

العدد: 
15795
التاريخ: 
الثلاثاء, 24 تموز 2018

     يروي ظريف دمشق المحامي نجاة قصاب حسن وحظه في حب دمشق وأهلها وفي ثقافته الألمعية كنائب دمشق الوطني الظريف فخري البارودي "رحمه الله"...فقد روى أن صديقاً له وكان من أبناء حارته قد عُين سفيراً في باريس وفي خطاب معه يسأله عن البلد والحارة وشبابها وأحوالهم , وكانوا كعادة زمن أول يجتمعون في بيت سهرة واحد, وكان معهم من أبناء الحارة رجلاً درويش الحال , كانوا يمازحونه دائما لظرافته . فهو سريع في ابتكار النكتة بالحال عند كل جواب ...وهنا طلب السفير من صديقه المحامي نجاة أن يرسل له ذاك الظريف درويش الحال إلى باريس فهو مشتاق إليه وسيستضيفه شهراً كاملاً في سياحة وتجوال ويتكفل بكل مصاريفه من استخراج جواز السفر فأجرة الطائرة بل وحتى مصروف عياله في غيابه وزد أيضاً بالهدايا نهاية الزيارة ..

طرح المحامي الفكرة على صاحبنا الظريف فوافق على الفور فأين لمثله أن يركب طائرة ؟ ثم سياحة وفي باريس بالذات والأهم أنه لايتكفَّل من المصروف بفلس واحد من بداية رحلته حتى العودة منها؟

شاع الخبر حضروا للرجل جواز سفر وقطعوا له تذكرة الطائرة وأعطوه مصروف عياله في غيابه .. 

لكن صبيحة يوم السفر , تأخر عن موعد الطائرة فجاءه المحامي نجاة يسأله ملهوفاً بعد إلحاح قرع شديد على باب الدار...

- خير أبا علي لماذا تأخرت عن موعد الطائره , كنت بانتظارك كي أودعك ..لقد فاتتك الطائرة

- أجابه ببرود شديد أنا لن أسافر وخذ هذا جواز السفر , وهذا المبلغ مصروف العيال أيضاً

- سأله المحامي مستغربا : أبو علي "منشان الله" ماالذي طرأ ؟ هل أنت مريض أو أحد من أهل بيتك ..؟ ماهو الطارئ بالأمر..والمانع الشديد ؟ ....يارجل إنها باريس ..والله لو صحّت لي ماتأخرت ...بس شو المانع ؟

- رد أبو علي بكل برود : يا أستاذ: صح أنا وافقت على السفر وكان العرض كويساً ..بس غاب عن بالي أن وقت السفر سيصدف موسم نزول الباذنجان  ..وهل من أبله أو مجنون يترك الشام وقت نزول الباذنجان وطيب أكله ؟..  ثم رمى له جواز السفر وصرة نقود ودخل البيت وهو لايبالي... وهنا انتهى أستاذ نجاة من قصته...

وأمي رحمها الله امرأة من ذلك الزمن الجميل, ذكرت مرة حين ركبت الطائرة في طريقها لمصر تزور أخي "رحمه الله" حين كان يدرس الطب هناك ..لما وزعَت المضيفة وجبات طعام الغداء على الركاب رفضت أمي الوجبه وإعادتها للمضيفة, وتجاوزتها  تلك لكنها فوجئت بأمي تفرد صرة فيها من الخبز المشروح البيتي الطري ,وخضار من بندورة وبقدونس ونعنع وفليفلة وليمون والأهم صحنا فيه باذنجان مقلي ...استغربت المضيفة ومنعتها ..كيف ترفضين ياحاجَّة  وجبة الطائرة ؟ لم ترد أمي بل لفًّت لها سندويشة صغيرة بعد أن عصرت عليها الليمون ورشت الملح ودعمتها بالخضرة ..وطلبت من المضيفة أن تذهب بالسندويشة لكابتن الطائرة فهو ابن صديقتها عرفت ذلك لما أعلنوا اسمه يرحب وطاقم الطائرة بالركاب

ابتسمت المضيفة وانصاعت للأمر وفوجئ كابتن الطائرة بذلك وسرّ كثيراً وضحك . بل وقدِم شخصياً لوالدتي يرحب بها وطلب سندويشة ثانية ..وقال  يا حاجه ذكرتني بالمرحومة أمي وأكلاتها ..وماذا تأمرين أن أهديك من الطائرة وأنا تحت أمرك ..سألته أمي بكل عفوية وبساطه وماذا عندكم ؟ رد: عطر ..دخان ..مشروبات ويسكي ..براندي وهو يبتسم ويضحك  ..

- ردت "رحمها الله " يالطيف "مابدي شي" ألحَ الكابتن لابد أن تأخذي شيئاً من الطائرة  

- ردت إذا كان ولابد أعطني زوجاً من السكاكين والشوك والملاعق ضحك الكابتن لكنهم من البلاستيك "وكان البلاستيك صرعة حديثه"

- ردت سأعطيهم لبنت ابني تفرح بهم  ...بكل هذه البساطة "انتهت"

والباذنجان المقلي صنف من أصناف عديدة للطبخ من محاشي بمختلف أشكاله وغيره فالخضري في مناداته لبيع الباذنجان ينادي "باذنجان أبو العيال كيف ما درتو بيندار" , ومقلي الباذنجان يرقى ليكون أكلة شعبية شهية كالفول والفلافل والحمص ..ويباع في محلات الطعام أو على البسطات بالشارع ..وتراه بكثرة في حلب قرب الأسواق الشعبيه مثل بائع العجة بالبيض أو شوي اللحم والكبدة...و..و..

دعينا مرة عند صديق على شرف دعوة لرجل مهم ذي منصب رفيع , وفوجئنا أن المدعو الضيف يشترط على مضيفه أن يكون الطعام فقط باذنجان مقلي وأكلة سلطة وأقسم عليه ألا يزيد ...فقد ملٌ أكل اللحومات والطعام شرقي وغربي و..و. .واقسم لكم أنه لما حضر الطعام والباذنجان المقلي وعند أول لقمة سالت دموعه وأبكانا معه , ونحن نتذكر أمهاتنا "رحمهن الله"  ورحم موتاكم...

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو