الهاجس الخطأ

من العلل التي يعاني منها الكثير من أبناء مجتمعنا  العربي تلك العلة المتمثلة بهاجس  قوة الشخصية, أو المبالغة بمقولة قوة الشخصية والاعتداد بالنفس زيادة عن الحد الطبيعي.

  وهذه العلة بلا شك لاتنحصر منعكساتها السلبية على صاحبها وسلوكه الفوقي فحسب بل تمتد تأثيراتها إلى كثير ممن يتعامل معهم، ومن المحيطين به أيضاً..

 والحقُّ أن النقيض لهذه الصفة  هي صفة التواضع ، وهو سلوك حسنٌ سليم يرفع صاحبه, ويجعله في مصافِ  الرجال ذوي الأخلاق الحسنة النبيلة في تقييم عدد لابأس به من البشر, ولكن في نفس الوقت يجعله مذموماً قبيحاً ضعيفاً  في أعين أولئك المعتدين بأنفسهم  حدَّ  المبالغة  حيث يظنون تواضع الشخص ضعفاً منه, وفيه عدم مقدرة، ولايحسبون الأمر على حقيقته فيعرفون لكلٍّ قدره وصفاته الفكرية والشخصية.

 وفي سياق تشخيص, وتحليل حالة هاجس قوة الشخصية يمكن القول إنها ضربٌ من الغرور, وأزمة وضحالة الوعي, وهما ميزتان لايُحسدُ صاحبهما, ولايمكن تجاوزهما إلا بامتلاك حالة النقيض أي التحلي بالوعي, ونبذ الغرور, وحينها يصحح الشخص الخطئ, ويسدد المسار ويمكنه التعرف أين مكامن الخطأ, وأين مكامن الصواب في سلوكه ونمط حياته ولانريد أن نطنب في الحديث السلبي عمَّن يعظمون أنفسهم، ويبالغون بقوة شخصيتهم لولا الرغبة الجامحة  بأن يلتفتوا  إلى واقع حالهم، ويدركوا أن الأفضل والأحسن لهم, ولغيرهم هو أن يعرفوا حدودهم ويقفوا داخلها, وعند تخومها منعاً للإساءة لأنفسهم ـأولاً ولمن يتعامل معهم والمحيطين ثانياً والمؤسف حقاً أن هاجس قوة الشخصية صار موضة لدى البعض من الموظفين أحد أشكال  تعاطيها إشعار الآخرين بأهمية الشخص من خلال تعقيد معاملاتهم وعركستها، والتقيد بالبيروقراطية والروتين القاتل, وهي حالات موجودة  في أغلب الدوائر والمؤسسات الحكومية مما ينعكس سلباً على وتائر العمل والإنتاج, ويضر بالعمل أيضاً.

 وأخيراً لا أقول  إن الاعتداد بالنفس وقوة الشخصية دائماً ميزتان سلبيتان, بل هما في حدودهما الطبيعية ميزتان إيجابيتان بل وضروريتان حيث الحياة تقضيهما, والواقع أيضاً, وهما في كنههما وحقيقتهما ينبعان من فكر حقيقي وليس من فكر مزيف, أي من إلمام  بالثقافة والعلم وامتلاك لرجاحة العقل, وسداد الرأي, ورصانة التفكير كما من الحكمة واللباقة وحُسن التصرف لا من إدعاء, وإدعاء, وإدعاء.

 

 

 

 

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15795