شاعر بحجم حماة

حقيقة يَحارُ المرء من أين ، أو كيف يبدأ بالحديث عن شاعر بحجم حماة ..بعراقة نهر العاصي ,وأصالة النواعير , ببراءة أطفال رياضها , بكثافة ضوء أقمارها ، بتواضع سنابل حقول قمحها المنحنية امتلاءً ..

ولا أغالي إن قلت إن  الحديث عن شاعر بحجم عبد الوهاب الشيخ خليل الذي فقدناه منذ أيام قليلة  هو حديث عن الشعر العظيم  , عن أصالة الإنسان، , أصالة الانتماء , أصالة الحس الوطني والقومي .. حديث عن شاعر طافح بالأناشيد، وبالحكايا، وبالعصافير، وبالضوء، وبالنور ..بجوقة أطفال تنشد للفرح .. للوطن .. للحقول و للينابيع .

برحيل شاعر كبير بحجم عبد الوهاب الشيخ خليل تكون قد أضيفت لأيامنا هذه غصة فقد، وغربة ووحشة لصديق وأب، ومرجع  لكل أدباء حماة ..هي خسارة كبيرة لنا للمشهد الشعري الحموي خاصة والسوري عامة .

ما من زيارة لي إلى اتحاد الكتّاب العرب في حماة إلا ويكون شاعرنا الراحل هو المتصدر الأول والأهم للأحاديث، فنصغي إليه مطولاً وبإمعان وباحتفاء مهيب ،ودرجة هذا الإصغاء تتأتى من قدرته الغريبة في نقلنا وبحيوية من هنا وهناك إلى حيث كان وعاش ..فحدثنا مطولاً عن رحلته إلى فلسطين- قبل النكبة – بقصد العمل، وعن تلك المهن التي عمل بها قبل السفر، إذ ساعد والده في مهنته (كحذّاء ) واشتغل عتالاً وشاحذ سكاكين ..إلخ وكان رحمه الله يتحدّث بكثير من العفوية عن المراحل العمرية التي مرّ بها ولكل منها امتيازاتها التي شكلت لديه مخزوناً جمالياً خاصاً بدءاً من تعلّمه عند شيوخ الكتاب، وليس انتهاءً بممارسته لمهنته التي اعتبرها الأرقى والأهم، مهنة التعليم، مروراً بأعمال خاصة ووظائف شغلها خلال مراحل حياته الحافلة بالشقاء وبالعذاب من جهة، كما هي حافلة بالحبور وبالسرور وبالجمال من جهة أخرى .

من ينظر في عينيّ شاعرنا يدرك مدى احتفائه بالآخر ..بحبه لله وللناس وللحياة ..يدرك كم هذا المحمول بين كتفيه ليس كغيره من الرؤوس والعقول والأدمغة ..إنه المكدّس بالخير وبالحب وبالسلام ..الطافح بالفضاءات ..بأسراب الحمام عند الغروب وما تتركه من رؤى .

لا يمكن اختصار أو اختزال تجربة شاعر بمقالة أو حتى بكتاب ..فشاعرنا بدأت ميوله الأدبية تظهر بمراحل عمرية مبكرة فدفعه والده لحفظ الشعر بقديمه وحديثه ،وشكَّل حضوره للحكواتي ولمسرح الظل أيضاً مخزوناً ورؤى فتحت أمامه آفاق السرد والشعر .

كان رحمه الله مدرسة في تواضعه وتقديره للجميل, حدّثنا ذات نشاط لنا في اتحاد الكتّاب العرب في حماة وبحضور صديقيّ من حلب ( بشير دحدوح وطه حسين الرحل ) ،وبحضور أقرانه من الشعراء مثل عدنان قيطاز ومنذر لطفي عن علاقته بهما وقال بالحرف الواحد : صحيح أن تجربتي بدأت قبلهما زمنياً إلا أنني أعترف أنهما تجاوزاني شعرياً وفنياً , ولأنهما كذلك كنت مرافقاً لهما في أي نشاط كانا يقومان به وعملت (مصفقجي) لهما، قالها وغط في ضحك كطفل أو أكثر..

يا الله يا أبا الخير كم أنت نبيل ،وكم علينا أن نستذكر تلك المقولات والقصائد والحكايا علّنا ننجح بتبديد بعض مآسي الحياة ونصبح أكثر تصالحاً مع أنفسنا ومع الآخر.

 

الشاعر الراحل توفي فجر يوم الإثنين 2 تموز 2018 عن عمر يناهز ثلاثة وتسعين عاماً وهو عضو اتحاد الكتّاب العرب – عضو جمعية الشعر.

صدر له :

ـ "مناجاة الشموع" عام (1978) .

ـ "سماط الروح" عام (2003).
 

 

 

الكاتب: 
​عباس حيروقة
العدد: 
15797