قصة قصيرة المشوار المبهج

العدد: 
15797
التاريخ: 
الخميس, 26 تموز 2018

يروى أنه في قرية نامية، تتربع وسط هضاب مرتفعة ووديان خفيضة عاشت أم مربية فاضلة قديرة مع ابنتها الصغرى الوحيدة ، وكانت هذه الوالدة تمتهن حياكة الصوف ببراعة فائقة منذ سنوات عديدة ، الاثنتان تقطنان منزلاً إسمنتياً كلاسيكياً ، وفي أحد أيام العطل اتصلت الابنة بخالها الحنون الذي يعمل بمبقرة فيها أبقار وعجول ظريفة وبكاكير حوامل عالية الإنتاجية  ، تنتج مشتقات الحليب من الجبن واللبن واللبأ والقشدة الدسمة ، بعد الاتصال قرر الخال مرافقة الطفلة وأمها في نزهة قريبة مشوقة ، ولما كان عاملاً فقد أحضر جراره الآلي بدون مقطورته الحديدية التي يستخدمها لنقل حيواناته الأليفة ، ذهبوا معاً مصطحبين سلة سندويتشات لحم مشوي وأكياساً صغيرة ، فستق محمص ، وأثناء عبورهم الشارع يشاهدون كروم التين وعناقيد عنب سكري وبساتين خضار منوعة كالطماطم والبطاطا والفجل والبقدونس الخ ، ومنحلة يشمون منها رائحة عسل نقي صاف ٍمن خلايا أقراص الشمع ، ولمحوا قافلة جمال ونوق تحمل خياماً وقناديل تابعة لبدو رُحّل بينهم غجري أسمر رزين يتنحنح بسعال خفيف مؤقت يسمع من مسجل ستيريو نقال شريط كاسيت مدمج بمذياع أغاني طربية بمحطات بث إذاعية راديوية ، وأيضاً بركان خامد قديم بعيد تطير فوقه جوارح بواشق و صقور ونسور مجنحة تسعى جاهدة لصيد فرائسها التائهة حوله بدغل عاشب وحفيف أوراق أشجار الزيتون واللوز والتفاح الرائع اليانع الذي يتلاعب مع هبة نسيمات الصيف المنعشة العليلة بعد برد الشتاء الزمهريري القارس .

كان كل شيء حولهم فاتناً ومبدع بتشكيله ، ببستان شجر إجاص ورمان غض ِ.

تحدثوا كثيراً وضحكوا ولعبوا بطائرات ورقية حتى تعبوا ثم قصدوا دكاناً عتيقاً أمامهم فيه رجل أشقر نبيل يلبس نظارة شمسية يبيع ملابس وأقمشة مختلفة جلدية قطنية مخملية صوفية وسجاداً وحقائب للمدرسة وللسفر كلها فخمة ، رحب بهم وهو يتفرج بتلفازه الحديث متابعاً مباراة كرة قدم مونديالية حامية الأشواط يهلل وبفمه غليونه ، وجاءت زوجته سيدة لطيفة حولها سحر ، جوالها أنيق ، حوراء العينين لحاظها يغازل غزلاناً وظباء وهي تبتسم ، صولجانها أحمر شفاه لامع ، أهدتهم سلسلة تحمل قلادة بمثابة تعويذة لرد الحسد وأعطاهم هو هندامين فرو ثعلب مبطن جيداً ، شكروهما جزيل الشكر و خرجوا عندما قاربت الشمس المغيب وبدأت تتسلل خيوط الظلام عادوا للمنزل منهكين لكن سعداء بتلك الرحلة الحلوة البسيطة التي اندمجوا من خلالها بالوجود الكوني وابتعدوا قليلاً عن همومهم والتزاماتهم اليومية بالحياة الروتينية ، فنحن دائماً بحاجة بين الحين والآخر للخروج لقصد التغيير الدوري ، ما أبهى الطبيعة المعطاء وما أحلى التمتع بها ، وما أعظم صنع الله الرحيم في خلقه سبحانه هو العلي الغفور !.

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
طلال علي حيدر – سلمية