على ضفاف العاصي : العاصي .. والدائرة المغلقة

 كنا نعتب على بعض الدول, لأنها تحول دون وصول مياه الأنهار إلى دول  المصبّ, إنها تملك المنابع التي ترفد هذا النهر أو ذاك, وباستطاعتها أن تمنع تلك المنابع من أن تستمر في عطائها, سواء  بإقامة سدود تحجز مياهها المتدفقة, أو إجراء تحويل  لمجرى النهر يمنع خروج هذا النهر من أراضيها, أو يخفف من كثافة مياهه وسرعة جريانها, كما فعلت (تركيا) في الزمن القديم بنهر القويق, الذي حرم حلب الشهباء من هذا العصب الحيوي الذي يرطب جوها, ويسقي مزارعها, ويعدّل طقسها, ويروي ظامئيها .. أو  كما حاولت وتحاول (أثيوبيا) أن تفعل  بإنشاء سد  النهضة الذي يحجز مياه النيل, أو يخفف من كمية وصوله إلى كل من مصر والسودان, والاثنان يمثلان كما نعرف مايسمى بـ (وادي النيل), بل إن مصر معروفة منذ قديم الزمان بأنها (هبة النيل), فلولا النيل لكانت صحراء قاحلة وأراضٍ جرداء ومساكب تشكو الجفاف.  وأخيراً وضع حل لهذه المشكلة بالاتفاق بين مصر وأثيوبيا لتقاسم المياه .
 ـ ولكن ماذا نقول عن أنهار تخصّنا, نعم تخصنا, نعمد إلى قطعها عن مدننا بالذات, ونحرم بلداناً لنا, بكاملها, من التمتع بمياهها، والاستفادة من سقايتها, أجل, نحن, وليس غيرنا، نقوم بقطعها, وحرمان أهالينا وبساتيننا ومزارعنا ومتنزهاتنا من كل أثر إيجابي لها... ولعل أقرب  مثال إلى ذلك نهرنا الغالي, نهر العاصي, الذي تحوّل إلى  مستنقع راكد , ومجمع للمياه الآسنة, هو مصدر للروائح الكريهة، ومنبع للأمراض المستعصية, وبؤرة للحشرات الضارة, والقوارض  المؤذية .. وفي توقيفه.. بتر للحياة في الأراضي الممتدة على ضفافه.. والتي تعتمد اعتماداً  مباشراً على مياهه المتدفقة, منذ قديم الزمان, منذ آلاف السنين, منذ أن وجدت دواليب الماء (النواعير)  التي تسعى  إلى نقل  الماء من الأسفل إلى الأعلى, ومن النهر المنخفض, إلى الأراضي الزراعية المرتفعة.
 ـ أنا لا أنكر أن هناك محاولات تجري بين حين وآخر, لرفد المجرى بمياه سد الرستن, ولكن الأمور لاتلبث أن تعود إلى سابق  عهدها بمجرد توقيف هذا الرفد, وبمجرد قطع  تلك المحاولات, وفي رأيي, يجب أن تكون هذه المشكلة واضحة في مخيلة  أي مسؤول عندنا, وأن يؤخذ في الاعتبار أن قطع الماء بسدودٍ أو بغيرها يعني أن هناك مدناً عطشى, ولعل العودة إلى فكرة أن تكون المياه في المدينة ضمن دائرة مغلقة، قد يكون أفضل حلّ لهذه المعضلة, وهذا مشروع جاهز سبق لمجلس مدينة حماة أن اطلع عليه، بعد أن أشبع دراسة وتمحيصاً من قبل عدد من مهندسي حماة الأكفاء, فسواء  قطعت المياه عن  مجرى النهر الأساسي أم لم تقطع, فإن هناك مياهاً سوف تبقى في المدينة, وضمن مجرى نهر العاصي, وتقوم بدورها خير قيام, تدير النواعير ،وتسقي المزروعات, وتكون حجر عثرة أمام الأمراض, وتعيد لحماة  الجميلة مناظرها الخلابة وطبيعتها الجميلة وصورتها الساحرة.

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15802