من الذاكرة الــحجـيـــــج الحمـــــــوي

العدد: 
15803
التاريخ: 
الأحد, 5 آب 2018

 سأتحدث في هذه الذاكرة عن الحجيج الحموي الذي كان يتوجه إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج قبل أن تمنع السلطات السعودية منذ سبع سنوات الحجيج السوري من أداء مناسك الحج متجاوزة بذلك كل القيم الشرعية و الأعراف الدولية .
الحجيج كان نوعان : حجيج نظامي و حجيج غير نظامي . أما الحجيج النظامي فهو الذي كان يؤدي مناسك الحج من خلال جواز سفر و تأشيرات نظامية و يكون عبورهم الحدود من خلال البوابات الحدودية النظامية . أما الحجيج غير النظامي فهو الذي كان يؤدي مناسك الحج بدون جوازات سفر ,حتى بعضهم بدون تذاكر هوية, وكانوا يسلكون الطرق غير الشرعية و معظمها صحراوية و ترابية, وكانوا يعبرون الحدود بعيدا عن البوابات الحدودية النظامية. هذا النوع من الحجيج توقف منذ منتصف ستينات القرن الماضي.
  كان الشخص عندما ينوي الذهاب إلى الحج يجول على أصدقائه و أقربائه طالبا منهم مسامحته، كما أنه كان يعمد إلى مصالحة كل شخص كان على خصام معه إضافة إلى قيامه بسداد الدين لكل شخص هو مدين له. كذلك فإن معظمهم كان يرتدي كلابية بيضاء و يضع على رأسه حطاطة بيضاء تسمى(كرطة) ويتمنطق بحزام له جيوب لوضع الدراهم .وهذا مؤشر على أن هذا الشخص ينوي أداء فريضة الحج.
  كان الحاج غالبا ما يصطحب معه زوجته أو قريباته من المحارم, وكان بعضهم يأخذون معهم أطعمة ناشفة (أقراص ـ أرغفة خبز يابسة ـ كبة ـ سمبوسك ـ لبن مجفف ـ لحمة محموسة مملحة ـ كعك .. وغيرهم )
  و الآن سأتكلم عن الحجيج النظامي و الحجيج اللا نظامي :
  إن الحجيج النظامي كان يسافر جوا أو برا أو بحرا, فالنسبة للسفر جوا فقد كان الحجيج في السابق ينطلق من مطار دمشق أو مطار حلب أو مطار حماة إلى جدة, فبالنسبة لمطار حماة كان الحجيج يتجمعون غالبا في ساحة العاصي قرب مكتب الطيران و يصعدون بالباصات إلى مطار حماة وكانت الباصات تدخل المطار وتقف جانب الطائرة حيث كان رجال الأمن العام يتواجدون عند درج الطائرة ليقوموا بختم الجوازات . بعد ذلك يصعد الحجاج إلى الطائرة. و الطريف في الأمر أن الطائرة عندما تدرج على أرض المدرج فإن الباصات تلحق بها و أهل الحجاج الذين في الباصات يلوحون بأيديهم .إلا أنه في عام 1962 أصاب إحدى الطائرات وهي تسير على المدرج عطل ناجم عن انفجار أحد دواليبها فجنحت على يمين المدرج لتصطدم بالأرض و لينجم عن ذلك وفاة امرأة وبعض الجرحى حيث تم نقل الجرحى إلى المستشفى الوطني بحماة و بقي الحجيج في المطار يوما آخر حتى جاءت طائرة أخرى لنقلهم . أما الطائرة المتعطلة فقد ظلت قابعة في أرض المطارأكثر من عشرين عاما وكنا نشاهدها أثناء مرورنا من جانب المطار على طريق كفربو.
 أما بالنسبة للسفر بحرا ففي الأربعينات وما قبل من القرن الماضي كان السفر إلى الحج يتم عن طريق مرفأ ببيروت . أما في الخمسينات فقد كان السفر يتم عن طريق مرفأ اللاذقية . وبعد ذلك و في الستينات صار السفر عن طريق العقبة بواسطة شركة كاظم و بحري حيث كان الحجيج يتجمع في دمشق ليتم نقلهم بالباصات إلى العقبة .وكان مرفأ استقبال الحجيج في السعودية هو مرفأ جدة و منه ينطلق الحجيج لأداء مناسك الحج و الزيارة إلى مكة المكرمة و المدينة المنورة . وأحيانا خلال عودة الحجيج من العقبة في طريق الإياب .فإن بعضهم كانوا يعرجون على القدس لزيارتها علما أن والدتي و خالتي و جدتي ذهبوا لأداء فريضة الحج بحرا عن طريق العقبة.
  أما بالنسبة للسفر برا فقد كان يتم إما بواسطة الباصات أو بواسطة السيارات السياحية سواء العامة أو الخاصة, وكانوا يسلكون الطريق إلى السعودية مرورا بالأردن. حتى أن بعضهم في عام1976 سافروا بالدراجات النارية و الطراطير ,لكن الحجيج غير النظامي كان مختلفا عن الحجيج النظامي, فقد كان السفر يتم برا بواسطة الشاحنات حيث كانت الشاحنات تقف في ساحة حي الجسر وساحة الحاضر, وكان أصحاب الشاحنات يضعون دفوفا في صندوق الشاحنة كالدفوف التي يضعونها لنقل الأغنام وثم يضعون شادراً فوق صندوق الشاحنة و من بطارية السيارة كانوا يمددون لمبتين صغيرتين واحدة للطابق العلوي و الأخرى للطابق السفلي. كان الحجيج يحضرون معهم أدوات النوم و الطعام .وكان الطابق العلوي مخصصا للرجال و الطابق السفلي مخصصا للنساء و المتاع وبراميل الماء وبراميل المازوت لوقود السيارة و للصعود إلى صندوق الشاحنة و النزول منها كان يتم بواسطة سلم خشبي .وعند السير كان السلم يعلق على جانب صندوق الشاحنة من الخارج . وتسير الشاحنة عبر طرق غير نظامية ومعظمها ترابية مما يسميها العامة (قشق) ولا يمرون على مراكز حدودية. و إذا صدف أن قابلتهم دوريات الطرق فغالبا ما كانوا يغضون النظر عنهم. إلا أنني أذكر أنه في عام 1958 إبان الوحدة بين سورية ومصر, فإن السعودية كانت على خلاف مع الجمهورية العربية المتحدة آنذاك فلم تسمح للحجيج غير النظامي بدخول السعودية و كثفت دورياتها و أعادوهم من حيث جاؤوا ,و أذكر أن قريبتنا أم خالد كانت من بين العائدات , لكن ذلك لم يمنع من استطاعة بعض الشاحنات من الوصول إلى مناسك الحج. وهنا لابد لي من التنويه إلى أن أجرة سفر الحج لأداء مناسك الحج كانت بحدود مئة ليرة سورية خلال الخمسينات لترتفع إلى حوالى مئتي ليرة في الستينات .
   بعد عودة الحجيج من أداء مناسك الحج كانت تقام الزينات و يقوم الناس بالحضور إلى منزل الحاج للتهنئة و احتساء القهوة و شراب التوت و أخذ ضيافة الراحة على مدى ثلاثة أيام ,كذلك فإن الحاج يبقى مرتديا كلابيته البيضاء مع الحطاطة البيضاء مدة عشرة أيام تقريبا بعد انتهاء فترة التهنئة كتقليد من جهة و من جهة أخرى ليتلقى التهنئة ممن لم يحضروا إلى منزله خلال فترة التهنئة .
   منذ أكثر من أربعين عاما لم يعد الحجاج يرتدون اللباس الذي أشرت إليه آنفا قبل و بعد أدائه فريضة الحج, و إنما أصبح معظم الحجاج يرتدون كلابية بيضاء وعباءة بيضاء وطاقية بيضاء فقط خلال الأيام الثلاثة الأولى أثناء حضور الأقرباء و الأصدقاء للتهنئة بقدوم الحاج. كما أن الحاج وقبل وصوله إلى منزله فقد كان الشبان من الجوار و الأقارب و الأصدقاء يستقبلونه أمام باب منزله بعراضة يقولون فيها ( حجينا بالسلامة و لعيالوا بالسلامة و الله جابو بالسلامة ) وكان الحجاج عندما يعودون من أداء فريضة الحج كانوا ومازالوا يجلبون معهم الهدايا و في طليعتها المسابح و سجادات الصلاة و هدايا أخرى متنوعة لذوي الحاج و أقربائه و أصدقائه
و إلى اللقاء مع ذاكرة حموية قادمة
سقى الله ذلك الزمن
 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
المحامي معتز برازي