قلم الحبر الأخضر ..

العدد: 
15804
التاريخ: 
الاثنين, 6 آب 2018

عهدي بقلم الحبر طالباً سنة أولى إعدادي كنا نسميه قلم استيلو ولاأدري ما تعنيه استيلو كلمة فرنسية أم انكليزية ،وعلمي أن أشهر ماركاته على عهدنا باركر أو سينغ وونغ صيني وكان مستودع الحبر في القلم جراب مطاطي نغط  رأس ريشة الستيلو بالحبر ونضغط بأصبعنا على الجراب المطاط ثم نتركه فيمتلئ بالحبر وبذا يصبح قلم الحبر جاهزاً للكتابة على أنه كنا نستعمل نشافة ورقية بغية تسريع تجفيف الحبر على الورق كي لا يلتغمط، أو بذرات من الطبشور الناعم ننثرها فوق الكتابة فيجف الحبر  وكم كان يفور الحبر وتتناثر بقعه على الورق أثناء الكتابة وكم من مرات اتسخت قمصان نلبسها من نقط حبر فارت من قلم وضعه صاحبه في جيب القميص ونسيه ثم كان قلم الحبر الناشف الذي طرد قلم الستيلو من استخدامه بين الطلاب وموظفي الدولة وكل من كان بحاجة استعماله .
وأذكر أن ماركة الحبر كان أجودها باركر أو القطّه كقلم الرصاص الخشبي كان أجوده ماركة التمساح والممحاة ماركة بيلكان وورق الكتابة كورونا...
 والحبر مثلما كان أنواعا فهو الواناً أيضاً ،أحمر ،أزرق ،أسود ،أخضر صيني وتلك أشهر الألوان وأما الأحمر فهو حبر قلم المعلم يصحح به أوراق المذاكرة والفحص ويسجل به الملاحظة ،وعند الطالب هو لون الخطر كلون الدم النازف أو إشارة ممنوع المرور وسيارات الإسعاف والإطفاء وشاخصات الخطر لطرق السفر من منحنيات ومنزلقات وصعود أو هبوط قاس...وكان  اللون الأزرق للحبر هو للكتابة عامة واللون الأكثر استخداما عند الجميع
وأما الحبر الصيني فكان استخدامه قليل جداً إلا من كتابة عنوان بالخط العريض أو استخدامه في درس الرسم بالحبر الصيني وكان قليلاً جداً وللعلم اشتهرت الصين بلوحات رسم جميلة جداً في تصوير الطبيعة بالحبر الصيني ..
 على أن الحبر الأخضر كان ليس له من استعمال البته في المدارس ...ولما كبرت رأيت وعلمت أنه حبر أقلام المسؤولين الكبار من وزراء ومديرين عامين ومحافظين وموظفين كبار فهم جميعاً يمهرون توقيعهم بقلم الحبر الأخضر وما يزيد غرابة أن توقيعاتهم تلك تكون غريبة الشكل وصعبة التقليد بما ترسمه من شخاويط تترسخ فوق بعضها البعض وتكون قفلة التوقيع أحياناً بأشكال هندسية من دائرة أو مثلث أو زاوية باختلاف أنواعها ...
 ومن بعض  مسؤولي هذا الزمان وللأسف يتفق ومدير مكتبه أو من يوجه إليه الكتاب أن في توقيعه رمزاً خاصاً فإن وضعه مع التوقيع فالأمر حظي بالموافقة منه ويستوجب التنفيذ , وإن غاب الرمز عن التوقيع  فلا موافقة ولا ينفذ مضمون الأمر حتى وإن كتب عليه موافق ظاهرياً ولكنه لم يضع رمز الموافقة من توقيعه وبذا يكون قد أفرح طالب الموافقة بالقبول على المعاملة ظاهريا إلا أنه يفاجئ بعدم القبول عليها متذرعين بحجة أن المعاملة مخالفه للشروط القانونية والأنظمة المرعية والشؤون القانونية يجهلها المحافظ وبذا يخسر المواطن طلبه ويضيع هباء بعد تعبه ومراجعاته الماراثونية وواسطته ويأسف على فرح مزيف كان لتوقيع تعمد فيه الزيف وبالحبر الأخضر
فيا من تفرحون التوقيع بالحبر الأخضر لمسؤول لا تفرحوا فربما بتوقيعه لغز ويعني ظاهرياً موافقة لكنه بالحقيقة رفض
ما دعاني لكتابة هذه المقالة أن أبا لشهيدين في الحرب كان قد طلب رخصة من البلدية بكشك ليبيع فيها أحد أبناء الشهيد مساعدة في الرزق لأهل الشهيد والمراجع هنا  لقي بداية وجوهاً ضاحكة وتكريماً وتبجيلاً وكل مساعدة واختار صاحبنا مكان الكشك وصدرت أوامر من أصحاب القرار للتنفيذ الفوري لكنه للأسف كانت كل تواقيعهم بالحبر الأخضر لا تكتمل برمز الموافقة الحقيقية وكان صاحبنا في سباق ماراثوني بين المحافظة والبلدية ومكتب الشهداء تحت القر والحر وتسيل دموعه أحياناً من غيظه  لكنه للحقيقة وبعد نأي وجهدٍ حصل على موافقة على كشك لم ينشىء بعد وفي مشروع سينفذ لاحقاً في منطقة مستحدثه من أطراف المدينة وهات ياعمر «وعيش يا ...لينبت الحشيش» فما كان منه إلا أن مزق الموافقة وصب لعناته على القلم الأخضر وكل من يكذب بالتوقيع به..
 

 

الفئة: 
المصدر: 
مخلص حمشو