من أدب الذكريات الطفــل والمحـافــظ

العدد: 
15805
التاريخ: 
الثلاثاء, 7 آب 2018

هي قصة تغلغلت في طويّتي وعاشت معي عمراً طويلاً لما فيها من المعاني وكانت قد حصلت معي في مقابلتي للوطني الصادق الإنسان النبيل «ياسين فرجاني « وأنا أرويها لكم بكل صدق وشفافية. وقتها كان والدي  يعمل سائقا لسيارة قائد الشرطة، وبحكم تواجد مكتب ذاك في دار الحكومة التي تضم وما زالت أيضاً مكتب المحافظ، وكان وقتها الراحل ياسين فرجاني.
فذات يوم وبطلب من والدي اضطررت للحضور عنده في دار الحكومة وأثناء عودتي للبيت لم أنزل من السلم الجانبي المخصص للمراجعين لدار الحكومة بل قصدت السلم العريض المخصص للمحافظ عند دخوله أو خروجه لمكتبه ،وكان بابه مواجهاً للسلم الحجري . وصادف في تلك اللحظة صعود السيد المحافظ لمكتبه وكثر اللغط والتنبيه أن المحافظ قد دخل المحافظة وهو في الطريق إلى مكتبه . وأنا لم أفهم معنى هذه الهمهمة بين الآذن والموظفين ،وكنت أتابع سيري وعلى وشك النزول من السلم العريض طريق المحافظ حتى ناداني أبي ليحذرني من النزول من هذا السلم لكني لم أسمعه فأراد أن يستدركني وأنا أركض، وعندما رأيت المحافظ أمامي صاعداً ارتبكت فاستعجلت الخطا وأطلَّ والدي بلباس الشرطة يناديني فارتعبت لذلك ظنا مني أني ارتكبت خطأ وما كان إلا أن أمسكت بالمحافظ لففته بيدي محتمياً به، فاستغرب، وهجم علي مرافقه فأمره «رحمه الله!»أن يتركني ولاحظ والدي يناديني وهو بثياب الشرطة فقال له : لقد أرعبت الولد ما الذي فعله ؟ فارتبك أبي فأسرعت وقلت للمحافظ إنه أبي ..فأمره المحافظ أن يتبعه وأنا معه للمكتب .. وحسبت نفسي كأني اقترفت ذنباً عظيماً وأبي ينظر إلي بنظرات تتميز غيظاً .
قال المحافظ: حسنا يا بدر ـ وكان اسم أبي ـ ما الذي فعله ابنك ؟
رد عليه يستميحه عذراً وأني أجهل الأصول ..فرد عليه وما الضير في ذلك ..المحافظ إنسان عادي مثل بقية الناس وهو ليس فوق العباد.
ثم التفت إلي مبتسماً مهدئاً من روعي وسألني عن اسمي وبأي صف وكنت قد نلت الكفاءة وسألني عن مجموع علاماتي وكان ممتازاً فسر لذلك، وسأل والدي هل عندك غيره من الأولاد. فأجاب نعم ثم سأل: هل كلهم متعلمون قال: البكر في الصف الحادي عشر والباقي في الابتدائية ،ثم التفت إلي وكانت بيدي مجلة الهلال فسألني عنها وسر بي لأني أحب المطالعة ثم التفت لأبي وقال له : يا بدر لك عليَّ في كل صيفية أن أعيِّن لك الولدين بصفة عامل مؤقت كي يساعدانك براتبيهما في نفقاتهما المدرسية، وكان الأمر كذلك فعلاً فقد عينت في الدفاع المدني بصفة عامل مؤقت في صيفيتين متتاليتين وكذلك أخي قد عين مرة في البلدية وأخرى في التموين ..ثم قال لي المحافظ:
يا مخلص ماذا تحب أن تكون في المستقبل؟ قلت له وبعد أن هدأ روعي لتواصله بالحديث معنا: أريد أن أكون ضابطاً طياراً. رد : عظيم ولَكَ مني أعداداً من مجلة الهلال هدية سأرسلها لك مع والدك. وهنا زادت جرأتي وقلت وأخي يا سيدي يريد أن يصبح طبيباً .التفت إلي هنا والدي وعض على شفتيه يأمرني بالسكوت، لكن المحافظ ـ رحمه الله ! ـ قال لأبي أحقا تريد لابنك ذلك ؟ رد أبي إذا أراد الله ...وهنا انتهت المقابلة .
كان والدي بعد تلك المقابلة يلاحظ زيادة في راتبه كانت في حقيقتها تأتيه بعد الاستفسار عنها كمكافآت عن مهمات مصروفة كان قد أمر بها المحافظ مساعدة لأبي في تعليم الأولاد ..وكان أبي يطير فرحاً بأن المحافظ في كل مرة كان يصادفه فيها يسأله عنا.... عن أولاد السائق البائس البسيط ويرسل لي أعداداً من مجلات الهلال والعربي ـ رحمه الله!ـ
ودارت الأيام وغيبّتنا لولبيات الحياة ،وصدف أن دخل على ـ المحافظ السابق ـ  في حمص في محل تجاري ضابط برتبة عالية وأدى له التحية العسكرية اللائقة وقال له : نفذ الأمر سيدي ها أنا ذا قد أصبحت ضابطاً وصار أخي طبيباًوعرفّته بنفسي بعد تلك السنين الطويلة فاحتضنني بلهفة وما شعرت إلا بقلب أب يخفق حباً وشوقاً في لقاء ابنه بعد طول غياب. ...وتختنق الكلمات ويسود الصمت , ثم تدور أحاديث عن حماة وأحاديث عن أهلها وتاريخها و..و... تعجز الكلمات عن المتابعة لأنها تقطر دمعاً .

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو