سوق الطويل عبــق الماضــي وأصالــة التاريـــخ

العدد: 
15808
التاريخ: 
الأحد, 12 آب 2018

يمثل سوق المنصورية أو السوق الطويل كما يطلق عليه عامة الناس رمزاً أثرياً هاماً في مدينة حماة ، كما أنه يمثل روح البلد وتراثها فهو حاضن لجماليات الحياة الشعبية .
كثيرة هي الأسواق في حماة ، لكن يبقى سوق الطويل الأهم والأبرز وتزداد أهميته كلما أوغل في الزمان .
أنشأه الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر الأيوبي المتوفى سنة 1220 م ، وكانت وفاته في قلعة حماة ، وهو الذي بنى جسر المراكب .
انحصر النشاط التجاري لمدينة حماة في مركزين اثنين هما ( السوق ) و  ( الحاضر) ومما يجدر ذكره أنه سمي جزء المدينة الواقع بالجهة الجنوبية من نهر العاصي باسم ( السوق) نسبة إلى هذا السوق .
كان سقف سوق المنصورية معقوداً ولقد أزيل في مطلع القرن العشرين واستبدل بسقف معدني من التوتياء ، وبذلك ضاع جزء من القيمة الأثرية له .

الخانات
وفي السوق الطويل ثلاثة خانات هي خان الصحن وخان الجمرك وخان الحنة ، وقد شيدت هذه الخانات على طراز يؤمن راحة المسافرين ويحافظ على بضائعهم .
الحمامات
أما حمامات سوق المنصورية فكانت ذات طراز شامي بديع وتستمد مياهها من نهر العاصي بواسطة النواعير ، وقد اندثر معظمها ، ولم يبق منها إلا ثلاثة حمامات تؤدي وظيفتها التقليدية إحداها حمام العثمانية ويقع في زقاق الطوافرة الأثري ، كما يوجد في سوق المنصورية حمامان: الحلق والأسعدي وكانا يستمدان مياههما من ناعورة المأمورية .
المساجد
المساجد في سوق الطويل ثلاثة : جامع الجديد في أول السوق ناحية المرابط، وجامع الأشقر في منتصف السوق، وجامع الشيخ ابراهيم في رأس السوق من جهة الشمال .
كان السوق الطويل يعكس الوضع الاقتصادي والوطني والاجتماعي ، وحالات الفرح والحزن لمدينة حماة .
كنت ترى فيه لوحاتاً فنية رائعة حتى لكأنها تبدو وقد رسمتها ريشة فنان ، حكايا أناس ذلك الزمان الذين ما عرفوا غير الحب والحميمية والشهامة والنخوة ، وراعوا الأهل والجار والدار .
كنت تسمع في سوق الطويل منذ الصباح الباكر صرير المفاتيح وهي تفتح أقفال أبواب الدكاكين التي كانت من الخشب ، ثم صارت من التوتياء الملفوف ، وكان أصحاب الدكاكين يحضرون باكراً لفتحها بعد صلاة الصبح ، كانت هذه الأبواب خشبية من ثلاث درفات ، وكانت أرض كل دكان تعلو عن مستوى أرض السوق بمصطبة ، وكانت هذه المصطبة تستر بالحصير أو السجاد حسب الوضع المادي لصاحب الدكان .
وبعد فتح الدكان كانت تكنس الأرض أمامها ثم ترش بالماء ، ويعمر صاحب المحل أركيلته ويجلس على كرسي القش قبالة المحل يرد السلام على جيرانه والمارة .
وكنت تسمع بالصوت العالي ( يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ، أصبحنا وأصبح الملك لله ) ويمر القهواتي يطرطق فناجينه أيضاً .
ويعلّم بالطبشور على الجدار بحذاء المحل كالسواس الذي يطرطق بطاسات النحاس أيضاً ويشخط بالطبشور على حائط المحل ليحاسب بنهاية الأسبوع ويأخذ الجمعية .
ولم يكن مستغرباً أن نلحظ إنساناً يجلس على كرسي على قارعة الطريق في قلب السوق والحلاق يحلق له ذقنه أو يقص له شعره، وكان يمر بعض البهاليل في سوق الطويل يعرفهم الجميع وينادونهم ويعطفون عليهم ويمازحونهم .
كان يمر رجل اشتهر باسم ( أبو صطيف عفشة ) ينادي على الأموات بطريقة مؤثرة ( وين اللي زرع ما حصد ؟ وين اللي حصد ما طحن ؟) .
كما كان السوق لكثرة مداخله واتصاله بأحياء وأزقة ودروب عديدة ملجأ آمناً لكل من يفر ويهرب من رجال الشرطة والفرنساوي ، أو ممن يلاحق  كان الحارس الليلي يقطع دروب السوق جيئة وذهاباً طوال الليل ، ويتفقد أقفال المحال ، كما كان يقوم بتوصيل المارة في ساعات متأخرة من الليل إلى بيوتهم المجاورة .
كان أهل السوق متحابين متكافلين متضامنين بالفرح والحزن والمصائب والعزاء والتهنئة ، وكنت ترى الزينات والأنوار في مناسبات الأعياد الوطنية والدينية.
وكم من فكاهات ونوادر ومقالب كان يرويها الناس في مجالسهم على المقاهي وفي سهراتهم ومسامراتهم من سوق الطويل وخاصة عن الشيخ بدوي كليب والحاج عبدو البلاط وغيرهما .
أيام مضت ولكنها ما زالت في البال ، ومازال سوق الطويل له أهميته ، ينبض بالحياة ، ويعج بالزائرين من حماة وريفها، وما زال عبق الماضي يزرع الفرح والأمل.
 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
جينا يحيى