المناهج المدرسية ..في قفص الاتهام 1-2

العدد: 
15809
التاريخ: 
الاثنين, 13 آب 2018

لابدَّ من العلم.. هذا أمر بدهي لاجدال فيه, فالعلم هو الذي يرفع الأمم, ويثبت وجودها, ويؤكد حضورها في هذا العالم المتطور..
ولابدَّ من المدرسة أيضاً, فالمدارس مازالت تحمل على عاتقها مسؤولية نشر ذلك العلم, واستيعاب طلابه ومريديه منذ مرحلة الطفولة.
*ولكن يبقى العلم, على أهميته وضرورته, جافاً, ممضاً! فهو أرقام, وتمارين, ومسائل, ونظريات , ومعلومات سردية تحفظ غيباً, ونصوص لايمكن الخروج عن حرفيتها !. فهل باستطاعتنا ترطيب هذا العلم, وجعله لقمة سائغة, طريّة ليّنة, يمكن لذاكرة الطفل أن تبتلعها بكل يسر وسهولة ؟ وهل باستطاعتنا أن نمزج العلم بالأدب , فنجعل له طلاوة ( الشعر) وجاذبيته وحلاوته, وسلاسة (القصة) وإمتاعها وتشويقها وإدهاشها؟ هل باستطاعتنا أن نقدم المعلومة, ضمن إطار فنيٍّ أخَّاذ, يأخذ بألباب الطفل. ويفتح شهيته إلى أقصى حد, فيُقبْلُ على الكتاب المدرسيِّ بكل جوارحه ومشاعره وأحاسيسه ؟

 ربما سبقنا الأولون في هذه التساؤلات, وربما سعوا نحو إجابات تقف على أرض الواقع, فحاولوا أن يُقدِّموا معلومات فقهيّة ولغويَّة عبر أبيات من الشعر, مقفَّاة وموزونة وذات موسيقا داخلية, ولكنَّ مضمونها ليس أدباً ولا فناً ولا مشاعر ولا عواطف, بل هو مضمون علميٌّ بحت, تمت صياغة معلوماته عبر هذا النظم أو الشعر كما يحب بعضنا تسميته.. وبالتالي يمكن للتلميذ أن يحفظ دروسه, في إطار هذا الأسلوب الذي كان جديداً في عصره. فالفكرة إذاً ليست طارئة, ولاجديدة.. ولكن المشكلة في عصرنا, أن المناهج المدرسيَّة ليست في يد الأديب أو الشاعر أو القاص, بل هي في يد مختصين بمواد علمية أو نظرية, يحفظون معلومات عن ظهر قلب, ويريدون أن يلقِّنوها للتلاميذ بالأسلوب الكلاسيكي الذي اعتادوا عليه, والذي سبق أن تلقّوا علومهم ( في مراحل تعليمهم الأولى) عبره هو فقط!. مشكلتنا أنه لايوجد أيُّ تعاون جدِّيّ بين أدباء الأطفال من جهة, وواضعي المناهج التعليمية من جهة أخرى, مع العلم أنه يجب أن يتدخَّل في هذه المناهج, ليس المختص العلمي فقط, بل التربوي واللغوي والفني والأديب والرسام والعالم النفسي والخبير الاجتماعي. - كم من المواضيع التي تُطرح في كتب أطفالنا.. وهي أبعد ماتكون عن اهتمامهم, وكم من القضايا التي تناقش على صفحاتها.. وهي أعلى بكثير من مستوى تفكيرهم, وكم من الأساليب التي تُتَّبع في طرح المعلومات.. وهي أساليب مملّة منفرة لاتجذب قارئها, وكم من المصطلحات والمفردات اللغوية التي نتعامل بها مع الطفل القارئ.. وهي غريبة على مسامعه, ولا علاقة لها على الإطلاق بقاموسه اللغوي ؟؟!. وفي الوقت ذاته, كم من الأمور التي يجب أن تُطرح ولاتُطرح, وكم من المفاهيم التي ينبغي أن تُنقل ولاتُنقل, وكم من الجمل والعبارات التي يُفترض أن يكون لها حضورٌ, وهي غائبة غياب الطعام عن الجائع؟ مايهمُّ القائمون على مناهج أطفالنا.. هو الكمُّ لا الكيف, والتكثيف لا التخفيف , والتعقيد لا التبسيط, وإشغال أسَرنَا ليل نهار بتعليم أطفالها ومتابعتهم, لأن الكادر التدريسي الذي يلمّ بهذه المعلومات المعقدة, لايستطيع – مع الأسف الشديد- شرحها وتبسيطها, وبصراحة أكثر.. هو غير موجود في أحايين كثيرة, فالحِمْلُ الثقيلُ يقع على الأهل أولاً وأخيراً, والحمل نفسه ينقل إلى سماء كل بيت سحابة سوداء لاتنقشع من الهم والغم والقلق والتوتر والانفعال, والسادة المؤلفون يصمّون آذانهم, ويغمضون عيونهم, ويرفضون أن تُدلي أفواههم بأي تصريح أو تعليق أو تعقيب, مازالوا يعيشون في برجهم العاجي, يهملون كل رأي, ويضربون عرض الحائط بكل وجهة نظر تخالف وجهات نظرهم. في لقاء تلفزيوني جرى مع الأستاذة حيدر وهي باحثة اجتماعية تربوية قالت : ( إن تلامذتنا يعانون من كمٍّ هائل في الوظائف البيتية والمواد الحفظية, وهم يستغرقون وقتاً طويلاً في أدائها, قد يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل.. إن التلميذ بحاجة أيضاً إلى وقت يرتاح فيه, وإن بعض الأهالي لكثرة مايضغطون على أولادهم, ويحثونهم حثاً دائماً على الدراسة , يخلقون ردَّة فعل عندهم, مما حدا بأحد التلاميذ إلى رفض الدراسة وتمزيق كتبه !!).‏
لقد حرموا أطفالنا من طفولتهم ، ولالعب ، ولا لهو ، ولا هواية يمارسونها ، ولا موهبة ينمونها ، ولاعلاقة اجتماعية يسعون وراءها ..الدراسة أولاً ، والدراسة ثانياً ، والدراسة ثالثاً ، يريدون الطفل حاسوباً يحتفظ بالمعلومات فقط ثم يرددوها عند الحاجة ، أو آلة صماء غير قادرة على التفكير والتحليل والتركيب ومعالجة الأمور .. حصص الرياضة والرسم والأشغال والفنون والمطالعة الحرة قد سلبت منه ، لتحل مكانها حصص لمادة جديدة وحصص للغة جديدة .
ولكن أين الأساتذة القادرون على تدريسها ، أين الأزمنة الكافية لتحصيل دروسها ، أين الفكرة التربوية بأن المدرسة ليست دار علم فقط ، بل هي دار علم وأدب وسرور وطرب وهوايات ورحلات ، وصلات وعلاقات لا أحلى ,ولا أجمل !! .
يقول الدكتور بشير الكاتب في إحدى مقالاته :( إذا استمرت الأوضاع على هذا الشكل ، فلتغلق المدارس ، ولنرجع إلى ما قبل مائة سنة ، حينما التعليم يجري على نطاق ضيق جداً ، بحيث يتعلم الطلاب في بيوتهم بواسطة أساتذة خصوصيين ..وهذا أمر عفا عنه الزمن منذ أكثر من قرن !. فالتعليم اليوم كالماء والهواء حق للجميع ، ولكن لايمكن أن يستمر الوضع التعليمي من دون معالجة جدية للمناهج وأصول التدريس  ، وليست الغاية من الكتب المدرسية استعراضاً لمعلومات المؤلفين وحشواً لا لزوم له ، وزيادة في عدد الصفحات أملاً في المكافآت المادية أو تشجيعاً على الدروس الخصوصية وإشعار الطلاب بضرورتها ، بل علينا أن نطور منهاجنا ونستفيد من خبرات غيرنا من الدول المتقدمة ، ونعمل جهدنا لنقف أمام هذا التيار الجارف المشجع لانحراف الطلاب من التدريس النظامي إلى الدورات الخاصة ) .
نريد أساليب جذابة للطفل ، نريد طرائق حديثة في تدريسه ، نريد معلومات تتوافق والمرحلة الدراسية التي وصل إليها ، من دون تكثيف لا مبرر له ، أو كم هائل لاحجة لوجودها ، أو ضغوط نفسية تلاحق الطفل ، أو أشعار دائم له بأنه مقصر ، وعليه ان يركض ويركض من دون نتيجة !.
 

 

الفئة: 
المصدر: 
د. موفق أبو طوق