قصة قصيرة : أنــا والحبيبــة

العدد: 
15809
التاريخ: 
الاثنين, 13 آب 2018

 كان القنوط يسيطر عليّ في أكثر الأحيان.. والقنوط عاطفة خرساء, وجزر لكل مدٍّ  في القلب.
 كانت الساعات تمر متثاقلة, وأنا أجلس قرب أسمال مذكراتي وأقرؤها حتى صارت تلك المذكرات منبع أحزاني التي لاتنتهي .. لكنني أراها  راحة لنفسي المتعبة.
 عندما أقرؤها أرى الماضي كله أمامي.. بذكرياته.. بحلوها.. ومرها أسمع صوتها, وحديثها .. صدى ضحكتها.. فأنتشي..
 الماضي يعيش معي.. ينام فوق سطوري, وأوراقي  أنا لا أنسى ذلك اليوم الذي فارقت فيه (حبيبتي).
 تعرفت إليها أسابيع، ثم رحلت.. ماذا جرى لها؟ وكيف, لا أدري التقينا مصادفة على الشاطئ, كانت الشمس تلملم رداءها الذهبي عن الكون مودعة، تاركة للعشاق غروباً جميلاً..
 كنا نلتقي دائماً, وكانت تلك الصبية الجميلة تجلس معي.. تحدثني عن الحزن المغروس في تربة أيامها على الرغم من إنها لاترعاه ولاتمنحه عنايتها.
 حدثتني عن الفراشات الملونة التي توقفت قربها, وكفت عن الرقص بين الزهور متنهدة لأن العطر مغبر برماد الورود.
 وحدثتني عن الغمام الأسمر المسافر في الآفاق يحمل في طياته  قلق الشوق وعن الليل  الذي يبتسم  للفجر المطل, وهو ينتظر إغفاءة عينيها لتعانق  ذلك الفجر المطل على نافذة فرح منسية خلفها..
 حدثتها وأنا أناشدها!..
  ـ اقتربي .. ربما لايسعنا هذا العالم.. اقتربي  لنحمل الطائر  المجروح ونلملم ريشه الملطخ بدماء نقية, إنه لايكف عن الشدو.. اقتربي لنملأ الخوابي الباقية من رماد ورودنا, ونمضي  أنا وأنتِ في ذهول الليل الصامت بخشوع.
 تعالي نحدد موعداً للقائنا, ونلتقي دائماً..
 دعينا من الحزن. دعينا من رماد الورود. الورود لاتحب الرماد إنها تغطي الدنيا بعبيرها, عبير الورد رائحته تفوح مثل الحب.. الورود لاتحتمل الرماد يغطيها. هي لن تحترق أبداً.
  لاتبتعدي عني! فالمسافات تكبر وتطول وأنا أمضي مع ملامحك بلا مسافة .. أمضي بلا محطة راحة، وكأني في غابة مهجورة أبحث عنك , ولا أعرف لك عنواناً..
  لاتبتعدي ..! تعالي نتحدث ! أنت حزينة دائماً الورود لاتحزن.. فصباحها مشرق جميل.. ومساؤها عطر يغطي الكون..
 (مها) .. اسمك جميل .. هذا لن أنساه أبداً.. أجيبيني.. لماذا اليوم لاتتكلمين؟ كنا نتحدث كثيراً عن كل ما مر معنا..
 كنتِ تقرئين لي كل يوم ماتكتبينه من قصائد.. شعرك جميل رومانسي وأنا أحببت كل مفردة تكتبينها .. وأحفظها.
 كان يمر بنا الهزيع الأول من الليل لانشعر به..
 اقتربت منها وسألتها:
 ـ تعالي أضمك لصدري بحنان وشوق, لأسمعك نبض خافقي, فحديث القلب صادق صامت..
 في أمسية يتيمة شقيه أتت إليّ في موعدها كان الألم والشوق يحرقانها وكنت أنا أحترق مثلها, أتمزق من خلال ماهي فيه.. وتساءلت:
  كيف أمسح عن عينيك هذه الدموع المخنوقة  ؟ كيف  أنزع من قلبك العذاب  الذي يقتلك بوحشية..؟ حدثيني عنك أكثر..؟
 جلسنا على طاولة اعتدنا الجلوس إليها على شاطئ البحر.. شربنا القهوة.
 ابتسمت وهي تمسك بيدي  وتشدني  إليها وكأنها لاتريد أن تفارقني  ولاتبتعد، رأت سيارة تقف قرب الشاطئ .. أشارت  إليها وأسرعت .. رحلت دون أن تترك لي عنواناً .. ولا رقم هاتف.. ولا خيطاً  واهياً  يربطني بها..
 ـ أين رحلت ..؟ وكيف ..؟!! مرت أيام وأنا أتردد إلى المكان الذي تعودت أن ألقاها.. علّها تعود..  مرّ بقربي صديق كان يراها معي دائماً إنه يعرف أهلها..
 سلم عليّ وقال :
 ـ صديقتك مها.. لن تريها بعد اليوم..
 ـ وكيف.... ؟ ولماذا ..؟  
ـ تزوجت وسافرت تاركة لك هذه الرسالة..
 احتضنت الرسالة بلهفة بالغة تنسمت من خلالها عبق صداقة نقية .. نقاء الثلج..
 كتبت تقول:
 يا أعز الناس.. تركتك ورحلت بحيرة واستغراب, لكني تركت قلبي معك, وبين يديك مدى الدهر..
 فالقلب ياصديقي.. لا وطن له . ولا جنسية .. ولا تاريخ  ميلاد. إنه أمانة لديك ..
 تلك الرسالة .. وكلماتها الرائعة احتفظت بها زمناً وحتى الآن لأنها بالنسبة لي قدس من الأقداس السماوية.
 

الفئة: 
المصدر: 
رامية الملوحي