قصة قصيرة : كــم هــذّب الحــبُّ بليــداً ..!

العدد: 
15812
التاريخ: 
الخميس, 16 آب 2018
كان جالساً على طرف نهر جار ٍ ممسكاً بكفيه بحفنة تراب مبلل ، كان تارة يوثقها بأنامله وكأنما كنوز الدنيا قاطبة جمعت في الحفنة ، وتارة أخرى يستنشقها وكأنها زهرة فواحة العطور ، هامساً في نفسه مردداً كلمات سيطر عليها اليأس والقنوط : ( موطني ... موطني ... موطني )) 
وكان إلى جانبه حقيبة سوداء بدت وكأنها حقيبة سفر .
تشابكت ملامحه بين فرح وحزن ، حيث كانت الابتسامة التي صنعتها ذكريات الماضي تزاحم كي لا ترحل عن وجنتيه لكن سرعان ما تقتلها لحظات الحاضر .
في تلك اللحظات كان يسترجع أيام طفولته في هذا المكان .
حين كان يلعب مع ابن عمّه ( نسيم) تحت أشجار المشمش والتفاح ، مال إلى فرع الشجرة التي كانت بالقرب من ضفة النهر ، الشجرة التي طالما لعب تحتها وتسلق أغصانها وهو يقطف ثمار الدراق .
تذكر حين كان يغافل جارهم ( أبو سالم) ويتسلل مع صديقه ( أحمد ) على بستانه ليقطفا بعضاً من ثمار التين .
تابع ذكرياته مبتسماً فما إن يتسلقا الشجرة حتى تكون عصا ( أبو سالم) قد أسقطتهما واحداً تلو الآخر ، فيعودان إلى المنزل ضاحكين من ذلك الموقف على الرغم من أن العصا قد وذّعت آثارها في جسديهما .
ثمة صوت من خلفه أيقظه مما كان عليه صارخاً بأذنيه :
مالذي حلّ بك يابن يافا ؟
أخفتني يا صديقي !
هيّا بنا أمامنا سفر طويل !
انتظر قليلاً .. لم أنت متعجل !
إن لم تأتِ معي فلن أطعمك من فطائر الصاج التي صنعتها أم أحمد الغالية .
أتمازح ؟
لا ..لا أمازح ..
كم أنت أناني !
ولمّ؟
أتذكر حين كنا في الإبتدائية ، كنت أشاطرك فطيرتي التي كانت تصنعها أمي وكنت أعيرك أقلامي وممحاتي .
وأنت تبخل عليّ بأطيب وألذ فطائر ذقتها بعد فطائر أمي العزيزة .
لا يا صديقي كنت أمازحك فحسب ..
سار ( أيان) بخطا حثيثة وهو يحدق بعينيه في التراب وكأنه يبلغه وعداً بالعودة عمّا قريب .
بعد مسير ساعتين على الأقدام ، بدأت الشمس تودع يومها بلون أرجواني لترحل وراء الأفق .
حينها بدأ الظلام يخيم على المكان ، جلس ( أحمد) و( أيان) ليتناولا وجبة بعدما قطعا مسافة شاسعة .
بعدما انتهيا من تناول الوجبة استلقيا برهة من الزمن ينظران إلى النجوم .. في تلك اللحظة قال أيان :
يا إلهي ما أجمل سماء فلسطين !!
صدقت يا صاحبي .
ابتسم أيان ابتسامة رقيقة ، فسأله أحمد : لمّ تبتسم ؟
أيام الصيف كم كانت جميلة مع جدتي !!
بالطبع .. أتذكر حين كنا نشكل دائرة سمر حول جدتك كل مساء .
نعم أذكر حينها كانت جدتي تروي لنا بطولات الفلسطينيين ضد الاحتلال الغاصب .
أتذكر ذاك المفتاح الكبير ؟
بالطبع أذكره ، كانت جدتي متشبثة به ودائماً تقول :  هذا مفتاح فلسطين ، إن لم نفتحها نحن فسوف تفتحونها أنتم أيها الأبطال الصغار.
لم أكن أفهم ما تقول جدتي ، ولكن الآن فهمت ما كانت تعنيه ..!
أجابه أحمد :
هو في النهاية مجرد مفتاح عادي .
صحيح إنه مفتاح بيت جدتي ولكن كان بالنسبة لها رمز النصر والعودة .
الآن فهمت ما تقصده .
ونهضا ليكملا مسيرهما بعد هذا الحوار المليء بالذكريات والتعطش لها .
وفي فجر اليوم التالي كانا قد وصلا إلى حدود لبنان ودخلا مدينة بيروت بعد زمن استغرق ثلاث ساعات بالحافلة .
عندها بدأت حياة ( أيان) الذي أخذ وعداً على نفسه بأنه لن يعود حتى يكمل دراسته الثانوية التي كان قد تخلى عنها منذ خمس سنوات في يافا ، لكن الظلم الذي شهده أبناء يافا من قبل المحتل الصهيوني جعله متأكداً من أهمية العلم ودوره في الحياة وخاصة الحياة المليئة بالظلم .
بدأ يدرس ويتعلم كل يوم ، في البداية كان الأمر صعباً ، لأنه أمضى خمس سنوات دون تعلم ودراسة ولكن الهدف الذي وضعه نصب عينيه لم يسمح له أن ييأس ، وقد أفلح في مادتي اللغة العربية والإنكليزية مما جعله يحلم بدخول قسم الصحافة .
انتهت الثانوية بنجاح ( أيان ) ونيله درجات عالية مكنته من دخول القسم الذي تمناه ..
 ودخل الجامعة وبدأ يدرس في مجاله الصحفي ..
دخل ( أحمد) إلى الغرفة وإذ بأيان يضع على رأسه وعاء للطهو وفي يده جهاز تحكم التلفاز ، وينتقل في الغرفة من مكان إلى آخر متعباً مرتبكاً وكأنه بالقرب من حرب واقعة وهو يقول :
أعزائي المشاهدين دمتم في خير .. كان معكم 
أيان اليافيّ – فلسطين – رام الله 
يضحك أحمد قائلاً : أجننت ؟؟!!
لا أتدرب على نص النشرة الإخبارية 
جميل أنك كنت واضعاً هذا الوعاء على رأسك وإلا كنت أصبت إصابة شديدة .
كفى سخرية !
لم اخترت هذا القسم ؟
كي أرصد ما يفعله الغاصب بأهلنا في يافا وفي كل بقعة من فلسطين .
أتفكر بالعودة ..؟
بلى ..
أنصحك يا صديقي أن تبقى هنا فلا مكان لنا في يافا ، فالحرب واقعة هناك.
رد عليه أيان : يافا لنا وسوف تبقى لنا والتاريخ سيشهد على هذا .
مرت أربع سنوات ... حينها كان أحمد يشاهد التلفاز في منزله في لبنان ، كانت المفاجأة غير متوقعة .. صديقي الصحفي أيان عاد إلى يافا وأصبح من أشهر الإعلاميين الفلسطينيين في قناة يافا الفلسطينية .
قال أحمد في نفسه : أجمل بفؤاد عجنت أحاسيسه من طحين الحبّ، وليس أي حب هو حب المرء لوطنه وأرضه .
 
 
 
الفئة: 
المصدر: 
نور عبد الرحمن الشيخ يوسف