وطــــــــــن ورجــــــــــــــــال..

العدد: 
15813
التاريخ: 
الأحد, 26 آب 2018

حماة الديار عليكم سلام أبت أن تذل النفوس الكرام.. منذ إدراكي للحياة وكلمات النشيد الوطني تحتل كياني بالعزة والشموخ، تضطرم في جسدي رجفة وفي قلبي فرحا ممزوجاً بحب غامر للوطن والإنسان حينما أسمعها أو أرددها، طوال عمري والجيش بالنسبة لي من المقدسات، رجاله رجال الوطن العزيز والحياة الكريمة. منذ بداية اﻷزمة وكتاباتي تنطلق منها عبر وجوهها وحالاتها المختلفة كون ذلك واجبي كإنسانة وقاصة تجاه وطنها الجريح.وقد كان للجيش ورجاله نصيب في كتاباتي ضمن معايشتي للواقع وكان مما كتبته من قصص قصة (وطن اﻷرز بالشعيرية) التي تطرقت لاستشهاد الشاب علي فطوم من محافظة حماة ريف مدينة مصياف. ورغبة مني في استكمال ما بدأته كان لي حديث مشبع بحب الوطن والإنسان مع شاعر الجبل المبدع ابن القدموس قرية جارة الوادي المشرقة بجمال طبيعتها وطيب أهلها سيادة العقيد أحمد علي شعبان وهو بطل من أبطال الميدان تعرض ﻷربع إصابات خلال المعارك لم تثنه أبداً عن إكمال واجبه تجاه وطنه وأبناء وطنه وقد بدأ حديثه معي بعبارة:نحن نقوم بواجبنا وليس لنا فضل على أحد.. سأحدثك عن معركة جسر أبيض في ريف الحسكة الغربي بتاريخ 8/6/2015 وقد ارتقى فيها ثلاثة من الشهداء:  الملازم شعبان مقصود من بانياس تعنيتا، والمجند ماجد غزال من حلب، والمجند محمود ريحان من حماة، ﻷنني أحب أن تتوثق قصتهم فهم من رحلوا ويجب أﻻ ننساهم أبداً، بينما أنا مازلت موجوداً، كما اصيب خلال المعركة أكثر من عشرة وقد كان لي الشرف أنني كنت منهم. كلفنا بالمهمة قبل يوم وكنا نعسكر على مقربة من المكان وقمنا بالرصد والاستطلاع وفي الليلة السابقة للهجوم وبينما كنا نشرب الشاي ونتسامر ونحن منتشرون في المكان مخافة الغدر، قال المجند محمود ريحان:(باركوا لي ياسيدي، باركوا لي يا شباب، فقد أصبحت أوراق تسريحي في القيادة مع الموافقة) وقد تم تسريح محمود كونه بات الابن الوحيد لوالدته الأرملة بعد وفاة أخيه بسبب المرض. في صباح اليوم التالي وعند البدء بالتحرك طلبت من محمود باعتباري قائد العملية أن يبقى لحراسة اﻷمتعة كونه أصبح على وشك التسريح وﻻ أريد تعريضه للخطر، إلا أنه رحمه الله أجابني برجولة وقال لي بصوته الناعم الطري:(صار لي معكم أربع سنوات، لم أترككم فيها لحظة في كل المعارك والسهرات ﻻ لن أبقى هنا مهما حاولتم، مثلي مثلكم، مايصيبكم يصيبني، والمكتوب مكتوب) حينها ربت على كتفه مسرورا مشجعا وعانقته وأنا أقول له: أحسنت يا بطل بعدها ذهب مع مجموعته وبدأ الاشتباك وطال، وقد كان الملازم شعبان مقصود على يميني عندما أصيب وأسعفه الرفاق حيث استشهد بعد عدة أيام في المشفى وعندما زرته قبل استشهاده طلب مني أﻻ أخبر أمه بإصابته كونها ستموت خوفاً عليه باعتباره جاري وضيعته قريبة من ضيعتي،وهو يتيم الأب تخرج من جديد نشيط وشجاع جداً. بعد إسعاف الملازم شعبان تابعنا المهمة حيث تعرضت وقتها ﻹصابة بليغة بالرأس كادت تودي بحياتي لولا إحساس غريب مني دفعني ﻷستعير خوذة الرشاش الثقيل رامي الذي استشهد في معركة أخرى، حمتني وخففت من حدة الإصابة، إلا أن رفاقي ظنوا عند سماعهم صوت اصطدام القذيفة بخوذتي أنني استشهدت. بعد إصابتي بثوان انزلقت ببطء في طريق العودة إلى خلف الساتر حينما رآني الشهيد ماجد غزال أتحرك ببطء للأسفل فقال لي سعيداً:(أنت لم تمت سيدي، الحمد لله على السلامة.)، وأثناء التغطية لحمايتي وعندما اطمأن أنني بخير قام بتغيير مكانه، إلا أنه كان طويلاً وفي أرض مكشوفة فتم قنصه أمامي وبكيت بكاء مراً عليه، وفي ذلك الوقت كان محمود قد تعرض للقنص أيضاً. بعد جلاء غبار المعركة ووصولنا للهدف جمعنا العسكر للتفقد وبدأ عد اﻷسماء وعند الوصول لاسم محمود ريحان غرقنا جميعاً بالبكاء وقد كنت أقول لهم:لا تقولوا لي أن محمود شهيد.. رحمهم الله سأذكرهم ما حييت ولن أنسى مشهد استشهاد محمود أبداً. س - لماذا مشهد استشهاد محمود سيبقى ماثلا أمامك ماحييت؟ هل ﻷن قدره حرمه من الحياة بعد الموافقة على أوراق تسريحه، أم بسبب طريقة استشهاده؟
*كلا اﻷمرين.. كما أنه تعرض ﻹصابة بليغة جعلته يعاني سكرات الموت في أرض مكشوفة حاولنا سحبه منها فتعرض سبعة من رفاقه للإصابة أثناء ذلك، فتركنا الأمر حفاظاً على حياة البقية وبقي في حالة احتضار حتى المساء.
س - عند تعرضك للإصابة كيف اجتاح الألم جسدك؟
* لم أشعر بألم ولم أترك المعركة بعد إصابتي إلا بعد أن اطمأنيت على الجميع، فعند الإصابة لم أكن أفكر بنفسي وﻻ بجسدي وإنما بعساكري ووطني وواجبي وقد كانت هذه إصابتي الرابعة واﻷخطر، ونحن في المعركة أبداً ﻻ نفكر بالموت، وقد كنا في غير اشتباك نقاتل ونأكل ونمزح وننام على الساتر، ومحمود كان اختصاص شاي يصنع أطيبه، يعني كنا شخص يطبخ والثاني يرمي والثالث يأكل والرابع نائم والخامس يغني، كما كنا نستفز المسلحين بالكلام ونهددهم وﻻ يفصل بيننا سوى مسافات قريبة.. ففي المعركة ينحصر تفكيري بالانتصار والثبات وبحماية نفسي وجنودي وألا أموت بلا ثمن.
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
لما كربجها