قصة يتيم

العدد: 
15813
التاريخ: 
الأحد, 26 آب 2018

طفولة قاسية جداً عاشها ، مات والده وهو يحبو ، وتركته أمه بعد ذلك وتزوجت ، تكفلت جدته لأبيه بتربيته ، هناك في البيت الريفي الصغير نفسه الذي تربى فيه والده ، نشأ هذا الطفل وسط الحب الكبير الذي كانت تغدقه عليه جدته، لكنه دائماً يتخيل لو أنه بين أبيه وأمه ، ومرت الأيام وأصبح الطفل الصغير يافعاً ، وذاق مرارة الحرمان ، نام من دون غطاء أياماً عديدة ، درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية والسقف / يدلف / فوق رأسه في الشتاء القارس ، فالغرفة ترابية قديمة جداً ، وزاده مما قسم الله ، كان يشتاق كثيراً كما غيره من الأيتام إلى أبيه وأمه ، وخصوصاً عندما يرى زملاءه مع أهاليهم ، واضطر رغماً عنه أن يعيش منفرداً ، فليس لديه أخت أو أخ يشكو همّه إليه ، فقط زوجة عمه التي لاتهتم إلا بأولادها ذكوراً وإناثاً ، وعددهم – من – دون حسد – لاأستطيع البوح به من كثرتهم ما شاء الله ، فقدت الجدة بصرها ، وصارت بحاجة لمن يعينها على حياتها ، فصار لها عكّازاً ، يساعدها في القيام والجلوس والطعام والشراب ، فقد أعطته حبّها وحنانها ، وكل وقتها ، لم يعرف اللعب . ففي القرية ليس لديهم حدائق وملاعب وملاهي ، ولم يحسّ يوماً أنه مثل زملائه الذين يذهبون لمنازلهم وبانتظارهم الطعام والشراب والأب والأم وغيرهم من الأهل .
هو تأكد تماماً أنه فقد والده ، بمعنى أنه لم يعد بمقدوره رؤيته ، لكنه يتخيل أمه التي تركته ورحلت ، ويسأل نفسه عن شكلها وحجمها ووجهها ، ويتخيل أن يحدثها ، وصوتها الذي لم يسمعه أبدأً يملآ أذنيه و إذا انتهت رحلة اليوم وأقبل الليل ، عاد إلى الغرفة الترابية ذات الباب الخشبي القديم، وألقى بجسده فوق فراشه البسيط الذي  يكاد يلامس أعلاه الأرض و أغمض عينيه ، وأسلم نفسه للنوم مع الأحلام .
وعندما صار في سن السادسة عشرة أراد أن يفتش عن تلك المرأة التي ولدته ، فأتى المدينة بحثاً عنها، وبعد أسئلة كثيرة عرف الجهة التي تسكن بها وهي غرب المدينة وبالتحديد قرب المشفى الوطني، ولكنه تعثر في الحصول عليها ، قالوا له إنها في الجهة الجنوبية، فلم يكلّ أو يملّ ، وذهب للبحث عنها وبعد عناء كبير عرف البيت ، وصار أمامه ، قرعه بتؤدة من شدة خوفه، وإذا برجل طويل يفتح الباب ، وسأله ماذا تريد؟ أجاب الشاب الصغير : أريد أمي ، فرد عليه الرجل ومن هي أمك ؟ فقال له اليافع: إنها في الداخل ، وإذ بها تخرج فجأة ، فرأت الشاب صاحب الوجه الأسمر الذي تسمر مكانه ، وسألته : ماذا تريد ؟ فأجابها :
ألم تعرفيني يا أمي ، فقالت له : من أنت ، فقال : أنا ولدك الذي أنجبتيه منذ ستة عشر عاماً ، وتركته ورحلت عنه ، ولم تفكري به مطلقاً ، ولم تسألي عنه ، وأنا الآن جئت بعد بحث طويل وعناء شديد لأسأل عنك ، وأقول لك :كل عام وأنت بخير ، فهذه الأيام أيام عيد ، ومن خوفها من زوجها ، ارتبكت كثيراً ولم تقل له تفضل بالدخول ، فخجل من نفسه ، وتركها واقفة مع زوجها أمام باب البيت ، ورحل ولم يلتفت وراءه حتى لاتكرر النظرة ، ويحفظ وجهها .. كان ذلك اليتيم ابن خالي .

الفئة: 
الكاتب: 
مجيب بصو