العيد عند الصغار في حماة بين الأمس واليوم

العدد: 
15815
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب 2018

  لاتختلف حماة في ممارسة طقوس الأعياد الدينية عن أي بلد إسلامي آخر من الوطن أو سائر البلدان العربية أو حتى منها الإسلامية المنتشرة في شتى أنحاء المعمورة, وذلك في العادات الرئيسية من صلاة العيد وزيارة القبور والأرحام وذبح الأضاحي في عيد الأضحى. ومن التحضير للعيد قبل حلوله من طعام ولباس ودعوات لموائد وولائم وعزومات ..الخ ...  إلا أن الملفت للنظر في حماة وقد كانت اكثر منظومة سكانها من عرب من البادية  وأكراد وشركس ولكنهم والحق يقال إنهم ومع اختلاف مشاربهم تراهم متكاتفين مجتمعين في أفراحهم وأحزانهم بل وفي سكنهم حتى في حارات يطلق عليها اسمهم كحارة البرازية حارة الكيلانية ..العضمية ..الحلبية ..التتان..الشيشكلي ...الخ  وتراهم وإن اختلفت عشائرهم وسكنهم في الحارات أخوة متحابين متفاهمين ولا أدل على ذلك حتى في أفراحهم كنت ترى عراضاتهم وعلى اختلاف حاراتهم تجوب شوارع البلد لتبلغ الساحة الرئيسيه  منها وكانت كلما مرت من أمام حارة في طريقها يستقبلونها بالزغاريد والترحاب ورش ورق الورد والياسمين عليهم .»وأهلاً وسهلاً بلي جاي» ..وما عرفت حماة في أعيادها غير الفرح والسرور للجميع فقراء كانوا  أم ميسورين ابناء اصل وفصل أم بسطاء من العامةفالكل يتزاورون  ويقدرون بعضهم البعض وتراهم حتى في سهراتهم في القنادق او بيت السهرة في الحارة وكأنهم عائلة واحدة
 كنت ترى الصغار في العيد في لباسهم الجديد ما يبعث على الضحك فترى البنات الصغار إن كن أخوات يتبخترن في لباس موحد من لون القماش وتفصيل الثوب بل و حتى تسريحة الشعر وما احلاه من منظر لشعرهن تراه ينساب بقرنين ملفوفين أو يمشط بغرة تغطي الجبين ..وأما الصغار فقد كانت الكلابيه «الصاية» ذات القلم الرفيع والثخين أكثر لباس الصبيان  وترى أحيانا منهم من يقلد لبس العسكر في لبس البذة العسكرية الموديل السائد في ذاك الزمان من سترة وبنطال وحتى رتب على الأكتاف وطاقية أو سيدارة على الرأس او أحيانا حتى طربوشاً أحمر تقليداً للباس الجيش المصري أو بكوفية وعقال تقليداً للباس المجاهدين في فلسطين ومنهم المجاهد عبد القادر الحسيني من مجاهدي فلسطين ..  
وترى الجميع في مرحهم ولعبهم جنباً إلى جنب فلا فوارق ولا تمايز كالمصلين في صفوفهم للصلاة أو كالواقفين على صعيد عرفه ... وكان من بعض ألعاب الصغار آنذاك مع بعضهم لعبة عسكر وحرامية أو لعبة العسكر المجاهدين واليهود»أبطال وخاينين»  وتضحك وأنت ترى  مسدسات التنك بأيديهم وفشك الفنين الذي لايؤذي وتراهم يجابهون بعضهم وصيحاتهم في حماس وكأنهم وهم في رمز لعبهم يزرعون في قلوبهم الحمية والنخوة والشجاعة في إحقاق الحق  في القبض على الحرامي أو في الجهاد والدفاع عن الوطن ضد الخونة واليهود ودون أن يدروا...
وترى الصغار يسيرون مع أهلهم في الزيارات العائلية والكل منهم مجبور الخاطر في سخاء العيدية من الأهل والأقارب عطاء بعطاء فالعم والخال يجود وكذلك من يجود على أولاده تراه يجود بالمثل على أولادهم ..
كنت ترى أولاد الحارة من أخوة وأقارب أو جيران يسيرون مع بعضهم متجهين إلى مراكز ألعاب العيد من ركوب المنجنيق إلى المرجوحه فناعورة الدوخانة وتسمعهم هي تتعالى أصواتهم بحماس في أناشيد مازالت تخطر على البال محفورة في الذاكرة والوجدان «قوموا انزلوا مابنزل.. غصب العنكم ويرددوا ما بنزل» أو عمي حاج أحمد يويا...الخ وكل لعبة لها أنشودتها مابين الأطفال ومع من يدير اللعبة ...
أذكر مرة أن جارة لنا في الحارة وكانت أرملة توسلت لصبيان الجيران  باصطحاب ولدها اليتيم معنا إلى الألعاب والحفاظ عليه وكنا نشتري ويشتري معنا مثلنا حتى ركبنا الناعورة الخشبية وانتهى الشوط وأراد العامل أن ينزلنا منها ليصعد فيها ركاب جدد لكننا قلنا له لن ننزل وسنجدد الركوب وأعطيناه الأجرة إلا الصغير اليتيم  أراد ان يجدد معنا لكن نقوده نفدت فبكى فسأله العامل لِمَ تبكي ؟ رد أريد ان أجدد وخلصت المصاري فنادى عليه ولد من أصحابنا من الحارة أنا أدفع عنه فسأله العامل ولِمَ تدفع عنه أهو أخيك أم قريبك ؟ رد : لا. هو ابن جيراننا ويتيم  . عندها رفض العامل الأجرة وقال لعيونكم أهل النخوة شو أنتوا الأولاد أصحاب نخوة أكثر مني وأعاد النقود لنا وقال هالمرة ببلاش لعيون رفيقكم اليتيم قصة عشتها بحذافيرها ومازالت محفورة بذاكرتي ثم مشى معنا الصبي وما كنا نشتريه من حلوى وموالح وسندويش كنا نتشارك وندفع عن ابن جيراننا اليتيم وعدنا لبيته بالحارة وسلمناه لأمه التي صارت تدعو لنا بجبر الخاطر كما جبرنا خاطر ابنها . قصة محفورة بالذاكرة ..
وكان من المضحك أن يتهافت الأولاد على أكل سندويش الفلافل  في وقت فيه طبخ الأهل في البيت كان لحوماً وشحوماً ومحاشي..كنا نفرح بدخول السينما وركب عربة الحنتور ودخول خيمة أبو عباس....فرح وضحك وسرور وحبور عشناه كان يوزع على الدنيا بأكملها ولا ينفد
ولن أتكلم عن البركة التي كانت تعم في كل شيء في الطعام كانوا يقولون لاتبخل فأكل خمسة يطعم عشرة ..كانوا يغرفون السمن من العنبر وتراه يفور ولاينقص منه شيئاً للغرابة ومثله عنابر البرغل والزيت والتين والزبيب..
شدني لكتابة المقال أطفال صغار رأيتهم من شرفة منزلي وتكبيرات العيد تصدح من المآذن وترى منهم من يلبس بذات عسكرية مموهة يمثلون العسكر وآخرون يمثلون الدواعش وكل واحد منهم يحمل تقليد الكلاشنكوف وقنابل صوتيه وهم في لعبة عراك كر وفر  وقد  شدتني الصورة أقارن كما أسلفت بعيد أيام زمان وجيل الصغار فيه ؟ وكيف آل اليوم ولاحول ولا قوة إلا بالله
وكل عام وانتم بخير .
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو