أنا .. ووالدي والمدرسة الصيفية لملجأ الأيتام

العدد: 
15815
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب 2018

 لانكاد ننتهي من دوامنا المدرسي الشتوي ، حتى يبدأ دوامنا المدرسي الصيفي !!..... هكذا كان دأب العائلة ، وهكذا كانت تطلعاتها في طفولتنا ، وهكذا كان نهجها في هذه الحياة : العلم ، ثم العلم ، ثم العلم ..
في النصف الثاني ، من خمسينيات القرن الماضي ، وبعد أن انتهى عامي الدراسي الأول ، في مدرستي الابتدائية نور الدين الشهيد ، واستبشرت خيراً بقدوم أول إجازة صيفية في حياتي ، فوجئت بتسجيلي في مدرسة ملجأ الأيتام الإسلامي ، التي كانت تفتح أبوابها صيفاً لاستقبال طلاب جدد ، بغية تقويتهم في منهاج السنة الدراسية القادمة ، وإعطائهم دروساً من كتب الصف الذي نجحوا إليه !..
وكان لا بد من الانصياع ، والرضوخ للأمر الواقع .. فالقرار صادر عن قيادات عائلية عليا ، وليس لمن في مثل سني ، أن يرفض أو يعترض ، بل لابد من تنفيذ الأوامر بحذافيرها ، من غير تردد أو تذمر ، فالسلطة التي تصدرها مسؤولة عنها !!.
وكان ماكان .. كان لابد من الذهاب كل صباح ، إلى مدرسة ملجأ الأيتام الإسلامي ، القريبة من بيتنا في حي المرابط ، وكان لابد لابن السادسة (الذي هو أنا) من أن يمشي وحيداً ، عبر الرصيف الأيمن الذي يمتد من نهاية حيه إلى مدخل مدرسته الجديدة ، يمشي الرصيف الرصيف ، بعيداً عن مسار الشارع العام الذي يعج بالسيارات .. يذهب وحيداً ويعود وحيداً ، وهو يشاهد بأم عينه لداته وأولاد حارته ، يلعبون ، ويقفزون ، ويتسابقون ، ويتمازحون ، ويستمتعون بإجازتهم الصيفية ، وينعمون بعطلة طويلة الأمد تمتد على مدى شهور عديدة .. بينما هو غارق في كتبه ، غارق في دفاتره ، غارق في دراسته ، غارق في متابعته لما يلقى من دروس ، ولما يقرر من أبحاث !!!..
على كل حال .. لست هنا في صدد الحديث عن الأبعاد التربوية لهذا الموضوع ، بل أنا هنا أريد أن أتحدث عن أمر قد جرى معي في هذه المدرسة بالذات ، وخلال دوامي الصيفي في صفها الثاني الابتدائي ... أمر مازالت صوره تلح على خاطري ، فلا أستطيع لها دفعاً !!..
ففي ذات يوم .. ونحن في إحدى الحصص ، نتلقف المعلومات التي يلقيها أستاذنا ، فتح باب الصف فجأة على مصراعيه ، ودخل المدير وكوكبة من الأساتذة ، ومعهم ضيف جديد لايمت الى المدرسة بصلة .. كانوا يحيطون به كما تحيط الأسورة بمعصم اليد .. كان شخصاً في منتهى الأناقة ، يرتدي طقماً صيفياً أبيض اللون ، تزينه ربطة عنق ذات لون متميز ، وقد سرح شعره الأشيب بعناية فائقة ، كانت ابتسامته العذبة مرتسمة على وجهه الوقور ، وكان الأساتذة من حوله يحدثونه بمزيد من التقدير والاحترام ، وكان يبادلهم الحديث ، أويكتفي أحياناً بهز رأسه موافقاً لما يقولونه ... عرفت هذا الشخص فوراً ، وقبل أن تسألوني كيف عرفته ، أقول لكم : عرفته لأنه كان والدي !!!!!...
وعلى مايبدو أنه قد جاء في زيارة خاصة لمدرستنا ، ولرؤية مديرها : الأستاذ صادق علوش .. صديق عمره في تلك الأيام . طبعاً .. طلب أستاذنا منا الوقوف تبجيلاً للضيف القادم ، وأخذ والدي يتأمل التلاميذ الصغار بعينيه الثاقبتين ، وقع نظره علي ، وكنت أجلس في المقعد الأول .. لم ينادني ، ولم يأت لقربي ، لم يسلم علي ، ولم يقبلني كما يفعل الآباء عادة حين لقاء أولادهم .. اكتفى بالنظر ، والتبسم ، ثم غادرنا مع صحبه من دون أن يعرف أحد من هو !!.
ساد هرج ومرج بين التلاميذ بعد خروجه ، وتساءلوا من هذه الشخصية المتألقة ، التي لها هذه المكانة ، وأحيطت بهذه الأبهة ... ولا أذكر إن كنت وقتئذ قد همست في أذن صديقي في المقعد : مسدد زهور عدي (مدرس اللغة الفرنسية الآن) بأنه والدي ، أو أنه كان يعرفه من قبل ، فقد قال مسدد لمن حولنا : إنه الأستاذ رسمي أبوطوق ، والد صديقنا موفق .... ولا أدري إن كان التلاميذ قد اقتنعوا بهذه المعلومة أم لا ، فمن غير المعقول أن يتصرف أب له هذه المكانة مع ابنه بهذه الطريقة ، ومن غير المعقول أن يتجاهل وجوده تجاهلاً تاماً ، وكأنه لايعرفه !...
مازلت أذكر هذا الموقف ، ومازالت الحسرة تتملكني .. لم لم يشعر والدي أصدقائي في الصف ، والمبهورين برؤيته ... لم لم يشعرهم بأنني ابنه ، فيدفعني الى الزهو بمنزلته الرفيعة ؟!!.. ترى لو وقفت الموقف نفسه في هذه الأيام , ودخلت صفاً مدرسياً فيه أحد أبنائي .. ترى ، هل أتصرف التصرف ذاته ؟؟. أو .. هل يتصرف ابني كما تصرفت أنا قبل ستين سنة؟؟!!!...
 

الفئة: 
الكاتب: 
د.موفق أبو طوق