طائرها الغريب قراءة في الديوان الجديد للشاعر رضوان السح

العدد: 
15816
التاريخ: 
الأربعاء, 29 آب 2018

حِرتُ في أمرين حين وقع بين يديّ ديوان الشاعر رضوان السح (طائرها الغريب)، الأمر الأول المقدمة الجميلة التي كتبها الدكتور سعد الدين كليب بعنوان (شعرية الكوخ)، والتي أرجع فيها حال التجربة الشعرية ـ الجمالية في الديوان، إلى بساطة الكوخ وبساطة أدواته ، لكنّ فيها طعم الروح،وحرارة الأنفاس ،وفيها يتنفس العالم بأيدينا .
(هذه البساطة الجميلة التي لاتعني السذاجة،أو السطحية،أو محدودية الخبرة،وإنّما هي نقيض كلّ من الفخامة،والتعقيد،والتجريد.).
ولقد أحسست وأنا أقرأ المقدمة ،أن الدكتور سعد لايتحدث عن شعر في ديوان وإنّما يتحدث عن شخصية الشاعر،ومايتسم به من بساطة،والبسيط أكمل الأشياء لأنه لايبسّط،ونماذجه الإنسانية مثله أناس عاديون طيبون.
وموطن حيرتي في الأمر الأول السؤال الآتي: ماذا أكتب بعد الذي كتبه الدكتور سعد الدين كليب؟.
وأما موطن الحيرة الثاني فهو عنوان الديوان،من هو طائرها الغريب؟
وعلى من تعود هذه (الها)؟ ولماذا كان هذا الطائر غريباً؟ وماهي الغربة التي عناها الشاعر؟.
احتمالات كثيرة تدور في البال حين نبحث عن إجابة لهذه الأسئلة منها:
ـ أن الشاعر رحل عن قريته (صماخ)وسكن المدينة،وربما لم يعد إليها إلاّ لماماً فأصبح مثل طائر غريب عن هذه البلدة التي تربطه بها الأسرة والجيران والاقارب ،والأحباب.
ـ والاحتمال الثاني أنّه أصبح غريباً في هذه المدينة التي استوطنها وروحه تشده إلى بلدته بينما نفسه تنازعه إلى هذه المدينة الجديدة.
ـ والاحتمال الثالث هو روحه الغريبة في مسارات هذا الكون والتي تسبح في بحار الحيرة التي لاتفضي إلى قرار، وتسأل عن الجمال والله والكون والموت.
لقد كان بدر شاكر السياب غريباً على شواطىء الخليج،وكان غريب الروح في دنيا من الحجر، والضيق، والفولاذ، والضجر يقول:
وعلى الرمال،على الخليج
جلس الغريب،يسرح البصر المحيّر في الخليج
ويهدّ أعمدة الضياء بما يُصعّد من نشيج
وحال الشاعر (رضوان السح) كحال السيّاب في غربة الروح مع فارق شاسع هو أنّ(السح) لاتعتريه النظرة السوداوية التي يتسم بها السيّاب:
وليس غريباً أن يفرد الشاعر في ديوانه قصيدة قد تكون أطول مافي الديوان بعنوان(السيّاب والموت) ويهديها إلى جدته فاطمة المرجاوي ويذكر فيها (جيكور) وهي بلدة السيّاب مرتين يشير من خلالها إلى فكرة الموت ، وكيف كان يرى الحياة في عيون العابرين بينما جفّف الموت عروق الحياة في جسد جدته، ولعل القصيدة التي تحدث فيها السياب عن الموت ماثلة في ذهنه ،يقول السيّاب:
خلا البيت لاخفقة من نعال
ولاكركرات على السلّم
وأنت على الباب في الشمال
وماتت على كرمه المظلم
تلوّى كما رفّ فوق السفين
شراع حزين
أذان هو الله باقٍ
وزال عن الأرض إلا هو
الله أكبر
وفي قبره اهتز كالبرعم
إذا الصبح نوّر
وأما الشاعر (السح) فيقول:
ومنذ الصباح الذي بدأ الله فيه الزمان
وجيكور في ملعب الريح تهفو للقيا الصغير
وتدعو: بنيَّ
عظامي تناديك ملء البلاد وحين تسير وحيداًألوّح خلف التلال
أظل ألوح خلف التلال
وأصرخ في بحة الميّتين
بنيّ تعال!
قسم الشاعر ديوانه ثلاثة أقسام:
1ـ صماخ 
2 ـ كتاب الوجد 
3ـ ماوراء الشعر
يتضمن القسم الأول ثمانية عشر عنواناً ، ويتضمن القسم الثاني ستة وعشرين عنواناً،ويتضمن القسم الثالث ثلاثة عشر عنواناً.
بدأ القسم الأول بقصيدة عنوانها (سفر البدء)
أخذني هذا العنوان إلى سفر التكوين في التوراة،هو أول أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة) مكتوب فيه أحداث تبدأ مع بدء الخليقة،ومذكور فيه كيف خلق الله الكون والإنسان...
فهل قصد الشاعر بداية الخلق؟ أم قصد أنّه في البدء كانت الكلمة؟
وبدا في القصيدة حائراً في خلق الوجود فهو يذكرنا بأن الوجود كان عدماً ثم كانت الأرض على ماء جمد ثم كانت السماء، وهو يسلك سلوك الفلاسفة الباحثين عن المعرفة والحكمة:
سماء .. وماء
تُرى كيف أبدأ صوغ الوجود؟
فقد ملّني العتم
صار جناحاي مروحة للمحيط البليدْ
لجأ الشاعر في هذه القصيدة إلى استخدام الرمز بشكل كثيف،وربما كان يقصد أن يكون غامضاً، أو لنقل أنّه ترك باب التأولات مفتوحاً على مصراعيه ومن هذه الرموز( المحيط البليد،السواد، النور،بذرة، الرياح،النوارس)وربما أراد أن يبقي هذه الرموز سرّاً،كما أراد لمعتقده أن يكون سرّاً:
سأكتب شعراً إلى امرأة لاتحبّ سواي
وأبقيه سرّاً كمعتقدي ... أو كذنبي
لماذا أصدّ حنينك سيدتي؟
أنا لست قلبي.
جاء القسم الأول من الديوان أشبه بالسيرة الذاتية،أو المذكرات،ويبدو الشاعر السح طفلاً عند السادسة،ومايزال ذلك الطفل في أعماقه ينبش له ذكرياته الجميلة الأثيرة إلى قلبه،ففي الومضة التي عنوانها باسمه (رضوان) يقول:
كأن الحروف التي كوّنته
أوائل مارنّ في مسمعي
تعرّفته طينة وهواءً
وأذكره
يوم كان يجسُّ الغرابة بالإصبع
وعاشرته جيداً...جيداً
لقد كان دوماً معي
ذلك الطفل الذي مازال يحدثنا عن قريته (صماخ)بكثير من الود،والرقة،والتقدير والشحنات العاطفية:
صماخ . .
إذا غازل التل عينكِ
من يسمع التل!من؟
وماكان في نيتي البوح،لكنه الآن شاخْ
وصار التندر بالعشق من بعض مايشتهي 
صماخْ
صبايا حنين فراخْ
أحنُّ إلى الصيف آخْ
أبوه رمز للخصب والنماء،ربما ينتهي نسبه إلى الإله(بعل) لقد جاءت به قوافل الهاربين من المحل من الخابور، ورغم أنّه كان فقيراً إلا أنه كان غانماً لأنه رجع ومعه الولد الذكر بعد عدّة بنات ،وعاش طفلنا الشاعر مدللاً بين أخواته وأسرته يقول في قصيدة(من السيرة):
من الخابور جاءت بي وفود المحلْ
ورغم الفقر كان الوالد المنكود بالأنثى 
سعيداً غانماً
قد عاد بعد الصبر بالذّكَرِ
فعشتُ مدّللاً عمري
إذا ماطفت في حقلٍ تهامس حولي الزرعُ
وذاع الصيت مابين الفراشات
فودّت لو تصادقني الينابيعُ
وتحدث عن أبيه الذي رآه متناقضاً في مزاجه،حنوناً وقاسياً في آن، وتحدث عن أمّه التي كانت تصلي ، ثم تجلس على الحصير،وتنام جالسة ، تحدث عنها بكلّ الحبّ وبكلمات غاية في البساطة، تتناسب وبساطة الحصير التي تجلس عليها ، والعيشة الريفية التي تحياها:
(أمي نائمة):
تؤدي فروض العشاءِ
وتجلس فوق الحصير
فيسرقها ملك النوم من بيننا
وتنوسْ
وجهها ...طفلة وعجوزْ
وحبّة قمح رآها أبي فأتانابها
كي تدر له كفّها خبز أطفالهِ
ثم تدعو لنا 
وتصومْ
ختم الشاعر القسم الأوّل بثلاثة أبيات بعنوان ( رحيل ) ، تحدث فيها عن رحلة الموت التي رأها رحلة جميلة مفروشة ببساط من المخمل ، على عكس الشعراء الذين رأوا في الموت شيئاً مخيفاً خانقاً : 
تبشرني السنون بقرب حتفي         
تبشرني بأنّي سوف أرحلْ 
ورفرف طفل روحي فوق خدّي      
 ووشوشني بأن الآن أجملْ 
وطيّرني فراشاً فوق زهرٍ           
  وراح يمدّ سفح التلّ مخملْ 
وأمّا القسم الثاني ( كتاب الوجد ) فهو ومضات شديدة التكثيف ، وقصائد مغلفة بإطار صوفي فلسفي ، وكلمة الوجد في مصطلح الصوفية هي تلك الحالة التي تعتري المريد حين يتلقّى وارادته عن شيخه ، وهي تختلف من مريد إلى آخر بحسب قوة الواردات إليه ، فمنهم من يكون وجده بكاءً ، ومنهم من يصيح بأعلى صوته ، ومنهم من يهتز جسمه ويتراقص . 
وأمّا الوجد لغة فهو مرتبة متقدّمة من مراتب الحبّ التي صنفها اللغويون العرب في معجماتهم . 
من خلال عنوانات الومضات والقصائد ، تلمح فلسفة الشاعر وهو يترسّم كبار المتصوفين أمثال ابن الفارض والحلاج ، وليس ذلك غريباً وهو الدارس بعمق ، لشعراء التصوّف وأخص الحلاج . 
لقد أثار الشاعر في عنواناته وما يندرج تحتها من شعر قضايا فلسفية شغلت الفلاسفة قديماً وحديثاً فــ ( الحدَثُ والقِدم ) بحث في قدم الذات الإلهية ( كان الله ولم يكن معه شيء ) ويقود البحث في القدم إلى وحدانية الله : 
صحيح أنّ عمر الورد غضٌّ 
ولكن 
عطره روح قديم 
وفي هذا القسم كما في أغلب الديوان تبدو كلمات الشاعر بسيطة واضحة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل أو إعمال فكر كما في ( الملوّع ) . 
كلّما أحببت شيئاً ضاع منّي
أول الأشياء هذي 
ثدي أمّي . 
أو كما في ( النساء ) : 
يقولون أني أحب النساء    
 وحقاً بهنّ أنا مغرمُ 
سأبقى الرضيع بأحضانهنَّ    
فأصبح شيخاً ولا أفطمُ
ولي أسوةٌ بالرسول الكريمِ  
وإن كان قلبي لا يُعصمُ
ومع هذه البساطة والوضوح ، يحتفظ الشاعر ببعض الغموض والأسرار والرموز في عنوانات أخرى ، كما في قصيدة ( كهرمان )
قتلتني بهواها كهرمان  
 ليس لي منجى بإنسٍ أو بجان 
فلها في كلّ حسن آية    
وهي البحر ومجد القبُّطانْ
       *    *    *
كل ما قيل عن الكون لها   
ولها في النور فضل ..قمران 
ولها السبع المثاني كلها  
 وهي السبع المثاني واثنتان 
في قصيدة ( طريق ) التي كتبها إلى أساتذته د. سعاد الحكيم ، يبحث الشاعر عن طريق بوصلة إلى الله ، وبنور المعرفة وبعد حوار بين المريد والشيخ ، ما يزال الشاعر يسبح في بحيرة الحيرة ويتركه الشيخ في حيرته :
وغادرني بعد الفراق ، وشدّ رحالهْ 
فأبصرت قلبي على مفرقين 
وفي كلّ درب غزالة .
وتظلّ الحيرة في الوصول إلى الله شأناً من شؤونه ، حتى يصرّح بها في عنوان ( حيرة) 
سلكت طريقاً لنيل رضاكَ                 
 فكان الطريقُ إليك طويلاً 
فإن كنت أقرب مني إليَّ 
فكيف جعلت اللقا مستحيلا!
وفي القسم الأخير ( ماوراء الشعر ) ، يبحث الشاعر في قصيدة ( عودة الشعر) عن الدور الذي يؤديه الشعر ، حيث لايخفى على الشعراء والأدباء والنقاد هذا الدور المشرّف له فبعد أن يكتب في مسائه عشر قصائد يعلق قصائده في أرجل الطير :
وبعدُ....
نعلق هذي القصائدَ في أرجل الطير 
حيث تجوب النوارس في أفق البحرِ
نأسو جراح العرائس 
نلمس حزن السراخس والأشنياتِ
ثمّ نواسي ثديّاته
كيف كان لها تحت همّ ونار وماءْ
وكعادة شعراء التصوف فالشعر عند الشاعر (السحّ) إلهام يسكبه الروح الأمين على قلبه :
ينام الشعر في كبدي حزيناً  وأوقفه بقولي : ياحزينُ!
فتنظمه بماء الروح ليلى  
 وينزله على قلبي الأمينُ
وفي قصيدة ( حسناء) ينحو الشاعر في غموضه نحو ابن الفارض في قصيدته ( الهمزة الإلهية ) حيث وصفها ابن الفارض بقوله:
صفاء ولاماء ولطف ولا هوى        
  ونور ولانار وروح ولاجسم 
والسح يصف إحدى قصائده فيقول:
من كوثر الفردوس ماء صفاتها  
 لاطين شاب صفاءها لاماءَ
هي بنت نور الله في آي الضحى  
  عبرَالكليم لطورها سِيناءَ
لوح الوصايا العشر وشي ردائها  
 شفّ الرواء فنارها تتراى
ما ناسك إلا وقبّل نحرها    
  كيما يرى نهدَ الحقيقة ضاءَ
وقال ابن الفارض في قصيدة أخرى يبحث فيها عن الذات الإلهية في خلال مخلوقات الله:
قال لي حُسنُ كلِّ شيء تجلى   بي تملّى فقلت قصدي وراكا
وفي ومضة الشاعر بعنوان ( وحي) مايشبه قصد ابن الفارض ، يقول :
تقول التصاوير ما شفّ منها
وخلف الحجاب القؤول الجليلُ
كذا .. يجتبي الله حتى النبات 
ليوحي إلى مرسل ما يقول 
وقبل أن يختم الشاعر ديوانه بقصيدة ( وداع) يقول في قصيدته إلى الشاعر عبد الرحيم الحصني معلناً أنه رسول الكلمة جاء يبكي على طلل :
أنا لست شاعرهذي البلاد 
ولكن ربي أتى بي إلى طلل كي أنوح 
وأني رسول .
وها هو يودّع الأمهات والقرى والتلال والبيادر ....:
وداعاً لمن عرفتهم يداي من الأمهات 
القرى 
والتلال 
البيادر والأصدقاءْ  
لمن غادرتهم عيوني على سفحة التلّ 
                          يلهون مثل القطا والهواء  
ترسّم الشاعر خطا الشعراء الرمزيين الذين يعتبرون اللغة عاجزة عن الإحاطة بمكنونات الشاعر فلجأ على تصوير جوّ القصيدة . 
طرح الشاعر في ديوانه قضايا فلسفية عديدة ، أهمها مسألة الزمن ، ويبقى الديوان على بساطة كلماته ، وعمق مؤداها ، وإيحاءاتها جديراً بالقراءة والدراسة ، وربما جاء في قابل الأيام من يلقي عليه نوراً فيكشف غوامضه ويوفيه حقّه من النقد والإضاءة . 
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
أحمد المحمد طه