حياتنا .. في صور على جدران

العدد: 
15817
التاريخ: 
الخميس, 30 آب 2018

 من منا لا يتذكر صور أيام زمان وكانت بالأبيض والأسود تعلّق على جدران الغرف  في البيوت وأكثرها ماكانت تتصدر غرف استقبال الضيوف , وتراها تتوزع بين صور الأب والجد والجدة وربما بقية  الأهل أو صوراً لبعض من  الأقرباء . 
كما وكنت ترى صوراً تصادفك في المحلات العامة كتلك عند الحلاق أو بائع الدخان أو حتى العطار , أو في الأماكن العامه من مطاعم ومقاهى أو حمامات أو مكاتب أو ...أو... 
لا أنسى صوراً كانت مرسومة في زوايا القبة الرئيسية في فناء البراني لحمام الدرويشية والأسعدية فبعضها ماكان يمثل صوراً لمراكب صيادين عند غروب الشمس وأخرى لشلالات على نهرالعاصي تتصدره ناعورة  وأخرى طائرة مروحية من النموذج القديم تطير في السماء...... كيف أنسى هذه الصور التي مازالت تتراءى في خيالي فقد كنت أحملق فيها وأمعن النظر وأنا طفل صغير مع أمي بالحمام استلقي على التختيه والمناشف تلف جسدي الصغير...
وإن كنت أنسى فلا أنسى صورة شيخ مهيب بلحية بيضاء يركب حصاناً أبيض وقفطانه الفضفاض وعمامته الملتفه على رأسه كسلاطين بني عثمان وشاربيه المفتولين .... 
كنت صغيراً يجرني أبي بيده وكم عجبت ودهشت بهذه الصورة فقد كانت بقياس كبير جداً حتى انها ملأت نصف الجدار . سألت : بابا من هذا الشيخ؟    فسأل بدوره البائع فرد أنه محمد علي باشا خديوي مصر..ولشدة إعجابي بالصورة صرت كلما مررت أمام المحل أسرق النظر إليها حتى أني كبرت وتغير المحل وبضاعته واختفت الصورة  لكن دكان بائع الدخان كانت قد رسخت في ذاكرتي باسم دكان محمد علي باشا وصارت نقطة علام من جغرافيه البلد وشوارعها عندي ...
كنا نسكن حي المرابط أمام زقاق السودان وملجأ الأيتام ولا أنسى محل بائع الصور وعلى ماأذكر اسمه كان أبو نزار البوشي فقد كان يبيع الصور في دكان وكانت في تسميتها حقيقة ليست بدكان فهي فسحة بنصف متر مربع يتصدرها  درج حجري كان يعرض عليه الصور المختلفه  من بضاعة محله , أذكر منها صور عنتره وأبو زيد الهلالي والزير سالم والمهلهل وجساس وصورة الفارس القديس الذي يشك برمحه تنينا يخرج من فيه النار , وصور صيد فيها كلاب مرقطه كالنمر تطارد صيداً وصورة محارب حبشي أسود على ظهر فيل يناوش الأعداء برمح طويل كان يمسكه بيده هذا وكم كنت مأخوذاً بصورة فتاة فائقة الجمال وكانت صورتها حقاً تتصدر معظم البيوت والمحلات لروعة جمالها الفتان وكانوا يطلقون عليها فاطمه المغربية ،هذا غير صور مكة والمدينة والحجيج على عرفات وصور القدس والمسجد الأقصى وصور الابطال العرب من صور صلاح الدين وخالد بن الوليد ...الخ 
ناهيك  عن صور السياسيين والزعماء في ذاك الزمان .....
وتتزاحم الصور في خيالي وتختلف وتتباين  لكنه تبقى صور الآيات القرآنية المخطوطة والمؤطرة ببراويظ أنيقه  وبمختلف أنواع الخط تتصدر اكثر البيوت والأمكنه والجميل منها ماكان بخط المرحوم الخطاط عبد الرحمن فاخوري فقد كان سيد الخطاطين في الزمن الجميل ... هذا إلى جانب صور مخطوطات كانت كتبت بالحكم المواعظ . «رأس الحكمة مخافة الله»  ولا أنسى صور أشهر الفنانين من ممثلين ومطربين في ذاك الزمان أنور وجدي وكمال الشناوي وعمر الشريف وفاتن حمامة وهدى سلطان ...الخ وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد واسمهان ... 
أذكر أن أحدهم كان قد علق صورة أمه وهي امرأة مسنِّه  في غرفة استقبال الضيوف من داره الى جانب صورة أبيه فكان كلما استضاف ضيفاً غريباً ومن غير أقربائه تراه كان يعمد ليغطي ويستر صورة أمه بقطعة قماش وتراه ينزع القطعة عند رحيل الضيف فاقترحوا عليه أن ينزل الصورة وينقلها لغرفة ثانية وكفاه يغطي وينزع عنها القماش فرفض مدعيا أنه إن فعل  ذلك  فهو  فأل غير حسن وستتعذب معه روح أمه في قبرها وهذا ماكانت قد اخبرته به في المنام ... 
يروي نائب دمشق الظريف فخري البارودي في مذكراته أن مقهىً دمشقياً قريباً من ساحة المرجة كان صاحبه أرمنيا وكان قد استأجر رجلا قوي البنية «قبضاي» ليفض المشاكل والنزاعات بين زبائن المقهى عندما تحصل وكثيراً ما كانت تحصل , وكان صاحب المقهى قد علق صورة شاعر فرنسا فيكتور هيجو في صدر المقهى وصدف مرة أن غاب الأرمني صاحب المقهى فسأل أحد الزبائن زلمة المقهى الرجل القبضاي عن صاحب الصورة الشاعر الفرنسي ولما كان هذا لا يعرف تلجلج وارتبك ثم رد عليه :هذه صورة شيخ قهوجية باريس فتخيل كم أثاره من ضحك...
لاشك أن عصرنا هو عصر الصورة لسهولة أخذ اللقطة حتى من الجوالات مستغنيا عن الكاميرا وكم كانت  قديما  تكلف المصور عناء وتعباً  فهي تؤخذ من كاميرات قد تعددت أحجامها وتقنياتها وكم تبدلت وتطورت بتطور الزمن ... 
ويدور الزمان ونسمع بكراكوز وعيواظ وصورته التي لم تتبدل والصور أيضاً معه حين كان صندوق الدنيا يتجول في الحارات وما يحمله من بهجة للأطفال وأما اليوم فقد صارت الدنيا اليوم بين يديك في جهاز مقاسه ملء الكف ...ولكن وكاميرا الجوال ومع كل ما ينقله من كم هائل من الصور وبديعها وغرائبها ومفرحها ومبكيها هل يستطيع أن يرجع لنا  صورة بسمة حقيقية لطفل من أطفال أيام زمان أو ضحكته أو صيحته عند اندهاشه في فرجة صندوق الدنيا او تفاعله وحماسه مع كراكوز وعيواظ ؟ الجواب بين أيديكم ...
حتما لكل جديد لذة وبهجة أنا مع التقنية الحديثة وزمن ثقافة الصورة التي باتت سيدة الاعلام ومن يملكها فقد ضمن النصر حتى في الحروب لكنه وبالرغم من ذلك  تبقى صور ذاك الزمن الجميل وإن كانت بالأسود والأبيض تحرك في دواخلنا من المشاعر وتثير فينا من الدمع أكثر من تلك التي يسهل لقطها بالجوال لأنها ترتبط بذكريات غالية على قلوبنا محببة إلى نفوسنا  ونحن تستعرضها , وكم أشعر برهبة عندما أصادف صورة من صور ذاك الزمن الجميل وقد سكنت تلافيف المخ مني  من مناظر طبيعية أو صيد أو شخصيات تاريخية أو شعبيه أو صورة لذاكرة مكان ساحة أو شارع ، وتراني أقف أمامها مسحوراً مأخوذاً حيث تقودني الذكريات إلى ذاك العالم القديم عالم الصدق والشفافية والأهل والجيران والخلان والزمن الجميل .....
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو