سعادة ..ولذة ..و ألم

ما إن نبدأ بالحديث عن اللّذة أو اللّذات حتى يتبادر لذهن السامع تلك الحالات الشهوانية الحسية المتعلقة بالجسد والتي تلبّي رغباته أو حاجاته وحسب. والحديث عن اللذة يقابله أيضاً حديث عن الألم ،فهل الانقطاع والابتعاد عن اللذة يخلف ألماً ما؟؟!! وهل معايشة الألم وتحسسه قد يخلّف لذة ونشوة ما ؟؟!!
وهل الحكمة تورث اللذة والالتذاذ ؟؟ 
ذهب أفلاطون في تقصّي ونقل الحوارات سيما في الـ (الفيلفس) ذاك الحوار الهام جداً الدائر بين سقراط الذي يرى أن الحكمة و الفكر والذاكرة والرأي القويم والاستدلالات الصائبة لها قيمة فاقت قيمة اللذة (الحسية)، وبين فيلفس الذي وهب نفسه للّذة ويرى أنها الخير كله.
اللّذة هنا فيها ما فيها مما ذهب به وإليه سقراط في حواراته مع أبروترخس وكاليكليس التي ساقها أفلاطون في كتابيه الخطيب والفيلفس حول ماهية وأنواع  واختلافات اللذة وعلاقتها بالألم فيسأل: هل كلّ لذة هي مجرد انقطاع الألم ..؟ وما مدى اقترابها بالمعنى من الحكمة..من الخير المكتفي من ذاته وبذاته وعلاقة الأخير بالشرّ؟؟!!
 ويقول أيضاً بلذّة مزيّفة خاطئة في الأساس أو مغشوشة ،وبلذّة صافية حقيقية معتدلة ودقيقة ،حضورها يولينا حبوراً، وغيابها لا يجرّ انقباضاً, كبهاء الأشكال، وزهو الألوان، وعذوبة الأنغام، وحتى شذى العطور, ولا سيّما ملذّات المعرفة التي لا تفرض جوعاً مؤلماً ،ولا تدع من بعدها أية فوضى. 
ويتابع في ذات المصدر فيقول:  إن أكثر الملذات قابلية للإدراك مباشرة ،وأعنف الملذات أيضاَ هي ملذات الجسد, ألا تزيد ملذات الجسد العليل ،على ملذات الجسد الصحيح؟ إذ بازدياد الرغبة يزداد التمتع. 
والمريض والمحموم هما من يبلغ الجوع والعطش عندهما أقصى الحدود, فيأكلان أو يشربان بمنتهى الشهوة.     
ونعود لنسأل في هذا الإطار: هل تكمن السعادة في اللذة ؟.أم تكمن اللذة في السعادة..؟! وهل السعادة سعادة جسد أم قلب أم عقل أم روح  أم نفس ..؟؟! وكيف ومتى تتحقق ..؟! هل تسعد الروح وتستلذّ بسعادة واستلذاذ الجسد ..؟ وهل يسعد الجسد بما يتحقق للنفس من هجرة وسفر وتحليق في الملكوت الأعلى, وتحظى ما تحظاه من فيوضات نور وكشف واقتراب ..؟؟
وهل اللذّة خير ..؟؟! أم اللذّة لذّتان ..؟؟ وهل السعادة في المحبة والفضيلة والأخلاق ..أم في التعبّد والنّسك والزهد ..؟؟!! أم في الفعل ..في المعرفة ،معرفة الله ..والحقيقة والكمال ..؟؟!
ابن سينا لا يرى السعادة في اتباع كل لذة, بل يراها في الكمال والخير..يدل على ذلك انقسام اللذات عنده إلى عالية وخسيسة.. (فاللذّة تنشأ عن الشعور بالكمال أو إدراك الكمال، وكلّما كان الكمال الذي تحصل عليه النفس أتمّ وأفضل كانت اللذّة التي ندركها أبلغ و أشد ). 
ويقول ابن سينا في كتابه النجاة أيضاً: (إننا في عالم المادة, يمنعنا حجاب الحس والشهوة وانغماس بدننا في الرذائل من بلوغ المثل العليا التي نطلبها ونحنّ إليها.ولكنّا إذا خلعنا ربقة الشهوة والغضب من أعناقنا وطالعنا شيئاً من تلك اللذّة السامية, فحينئذ ربّما تخيلنا منها خيالاً طفيفاً خفيفاً).
تبقى أسمى حالات اللذة والنشوة والالتذاذ تلك التي تسمو بالروح وبالعقل وبالقلب. 

 

الكاتب: 
​عباس حيروقة
العدد: 
15817