ذكريات تخطر بالبال عن معرض دمشق الدولي مـــن حمـــاة إلـــى دمشــــق..

العدد: 
15818
التاريخ: 
الأحد, 2 أيلول 2018

  حين تغوص في شقوق الذاكرة لتستعيد بعضاً من الذكريات السعيدة ولتقرأ عنها من صفحات كتاب عمر وقد مضى أكثره وكان فترة زمن جميل, فعلى غير إرادة منك وعند هياج الذكرى تشعر وقلبك يتنطط بين أضلاعك كعصفور منفوش الريش مذعوراً وهو سجين القفص, لكن شعوراً خفياً يعود ويغمرك بالفرح والسعادة كعاشق وَلِهٍ وقد تغلغل في أسماعه صوت حبيبته ينقل إليه موج الأثير قاطعاً فيافي الغربة ومسطحات محيطات البعاد....
 كنا صغاراً وكراج الشام أمام جامع المحبة من حماة وكانت البوسطه وسيلة النقل لدمشق . وكان منادي السفر في الكراج ينادي طوال أيام السنة  « حمص ..شام..حمص ..شام» إلا أيام افتتاح معرض دمشق الدولي في أواخر خمسينات القرن الماضي « فكان ينادي «ياالله ع المعرض.. ياالله ع المعرض» فكان حتى في ندائه يشوق الناس لزيارة المعرض كما يضفي على المعرض لذة مشاهدته واستكشاف ما بداخله وخاصة في زمن كان فيه التلفاز حديث جداً وتقنيات تواصل اليوم تغيب عنه تماماً...
 مرة سمعت أحدهم يسأل آخر» أخي شو هادا المعرض؟» فيرد عليه وبالحموية العريضة «والله يا خيّو قالوا كل حلاوة بلاد الدنيا بتشوفها بالمعرض ..فيه كلشي كلاشي..ياأخي بلاد الله بتشوفها بالشام»» وتتزاحم الركاب بالسفر على الشام وتسير بوسطات  السفر على الطريق تهدر وتعن وتئن بطلوع الطريق وكان ذهاب إياب ولما كنا نصل نزول «التنايا» نستبشر خيراً فيذهب ملل الطريق ثم تلوح كروم دوما فنمر أمام باب العصفورية ثم حرستا فتزغرد إحدى النساء وتقول»وصلنا والله وبدنا نشوف المعرض» والمسكينة تحسب نفسها كأنها في رحلة حج...
 ومن رأى مدينة المعرض في سنينه الأولى تأخذه روعة وسحر دمشق زمن الخير والبركات والحب والمودة والحميمية فأكثر بيوت الشام فيها ضيوف قادمون من شتى أنحاء البلاد أصدقاء ..أقرباء..عرسان.. والكل أحباب وترى الدنيا حولك كأنها في كرنفال ..حتى أرصفة الطرق وضفاف بردى مشغولة بالناس يشترون ..يأكلون ..شباب.. .بنات تجلس على حرف الرصيف في الحدائق على المرج ..تحت الشجر.... وترى هناك عجوزاً ينفث الدخان من أركيلته..وآخرون يحتسون الشاي. .وعلى لسان الجميع»تفضلوا أهلاً وسهلاً» وإذا صدف وعرفوك غريباً عن الشام فلا بد أن تشاركهم في أكلهم أوحتى على شرب الشاي أو الأركيلة.. ويا اهلين بالشامية «يايا بي»  والله محيي سوريه وشعب سورية» فإذا ما دخلت مدينة المعرض عندها ستؤخذ بالأنوار الملونة البراقة الساطعة التي تشع  فتحيل عتمة الليل إلى ضوء نهار ونوافير بركات الماء في ساحات المعرض تخجق بالماء وصوت فيروز يلعلع عبر المكبرات تغني للشام وعبد الحليم حافظ وجموع الناس في طرقات المعرض أمواج من البشر تتلاطم كأنها أشبه بطواف السعي بين الصفا والمروة «بلا تشبيه» وبريق الفرح يشع على العيون وبسمة السعادة ترتسم على الشفاه..وحلقات رقص الصبايا والبنات على طرقات المعرض وبخاصة اللبنانيين فهم قوم بسط وفرفشه من غير تحفظ  يأتون بالباصات للشام يومياً صباحاً ويرجعون آخر الليل فالمسافة بين بيروت والشام قريبة جداً ...وتمضي أيام المعرض والشام وبيوتها بيوت حب حقيقي وكرم وسوق الحميديه ومحلاته ومشتريات الهدايا منه «ارامغين»  وأكله من بوظة بكداش وزيارة الجامع الأموي وقبر صلاح الدين والشيخ محي الدين وأكلة فول وحمص من عند «بوز الجدي» أو «صلحو» في السوق العتيق بالمرجه وركوب «الترمواي» حتى آخر الخط المهاجرين  وزيارة التكية السليمانية والمتحف وخلفه الجامعة وجارة حموية توصي جارتها المحظوظة بالسفر عالشام ع المعرض أمانة أن ترمي لها مشيمة مولودها البكر أمام الجامعة حتى بعون الله يصير من طلابها..
وتنتهي أيام المعرض وتعود البوسطة» بسم الله مسريها ومجريها, وعلى بابها «يا داخل هذا المكان صل على النبي العدنان» وتراها في سيرها تعن وتئن وتلهث على الطرقات بطريق العودة إلى البلد  تنفث دخانها الأسود حتى يدخل في خياشيم المسافرين...ودمعات تتساقط على فراق الشام وتتلفت الرؤوس عبر نوافذ البوسطه إلى الخلف لوداع الشام وذكريات جميله عن معرض الشام وأهل الشام وكرم الشام وجمالها وغوطتها ونهر بردى والربوة و..و.....و وعلى هدير البوسطه تذبل جفوننا وننام ثم نستيقظ ونسأل «هل وصلنا» فتهتز الرؤوس ليس بعد ونعود لننام هكذا وأخيراً نصل البلد نحمل الذكريات الجميلة نقشاً على القلوب لا ينسى ونظل نتباهى أمام أترابنا «والله وشفنا الشام وشفنا المعرض « ويسألوننا بلهفة عن كل ما شاهدناه صغيرة وكبيرة ونتباهى ونفتخر ونحن نرد ..وتأتي الناس لتسلم علينا كأننا حجاج بيت الله الحرام وكأن في زيارة الشام كتبت لنا حجه...
 إيه يا شام ..سقى الله تلك الأيام..ورحم الله ناسها.. تغير كل شيء..لكنه وبرغم كل شيء مازال الأذان المميز بأصوات المؤذنين من مآذن الجامع الأموي يصدح كما كان يصدح من مئات السنين وسيبقى هكذا يعلو «الله أكبر, الله أكبر» وحتى قيام الساعة  لأن الله جل علاه» غالب على أمره ولوكره الكافرون...» ومعهم القتلة الظالمون ..والحاقدون..والمجرمون...ولأن سورية الله من فوق حاميها .
 

الفئة: 
المصدر: 
محمد مخلص حمشو