دراسـة : وارحمتاه للشعراء العذريين !

العدد: 
15819
التاريخ: 
الاثنين, 3 أيلول 2018
ــ كلما قرأت شعر الشعراء العذريين تنتابني الدهشة من هؤلاء الشعراء ومن تصرفاتهم فقد بذلوا جُلّ حياتهم لعشق المحبوب المفرد الذي ملك عليهم تفكيرهم وأحاسيسهم حتى أن بعض المحللين النفسيين اعتبره 
( مرضاً ) وجنوناً عاطفياً وإحباطاً للعقل وتشوشاً نفسياً يحتاج إلى علاج ، واعتبره البعض تعذيباً للنفس وطلباً للمحال الذي لا يتحقق أبداً . 
ولست هنا بصدد التحليل النفسي للشاعر العذري ، فذلك بحث يطول وكتب حوله الكثير ولكنني أعرض هنا لصور غريبة من هذا الشعر ومن تصرفات أصحابه ، لكن هذا الشعر يتصف بالرقة والصدق والجمال والسهولة واليسر في عصر كان فيه الشعر جزلاً متيناً يستعصي على الفهم في أحيان كثيرة . 
أذكر أنني كنت في رحلة الحج ونزلنا في استراحة حديثة في ( تيماء ) من الجزيرة العربية وتذكرت ( قيس بن الملوح ) و ( ليلاه ) فقد خبّروه أن ليلى ستنزل في تيماء في الصيف القادم فحمل خيمته ونصبها منذ بداية الربيع انتظاراً لقدوم ( ليلى ) ومن سوء حظه أن ( ليلى ) لم تأت لا في الربيع ولا في الصيف ! 
وخبر تماني أن ( تيماء ) منزل   
       ( لليلى ) إذا ما الصيف ألقى المراسيا 
 فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت 
            فما للنوى ترمي ( بليلى ) المراميا 
ثم أليس هذا مدعاة لاختلاط العقل وتشوش الذهن ؟ 
تراني اذا صليت يممت نحوها        
                      بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا 
أحب من الأسماء ما وافق اسمها   
                          أو شبهه أو كان منه مدانيا
والعجب أن العذري في قمة القناعة من المحبوب فقد يكتفي باللمحة أو الإشارة أو التحية من بعيد ويعيش على ذلك الأيام والشهور ويعتبر ذلك نوالاً كبيراً وعطاء جزيلاً ، يقول ( جميل بثينة ) :   
وإني لأرضى من بثينة بالذي     
                      لو أبصره الواشي لقرّت بلابله 
بلا وبألاّ أستطيع وبالمنى        
                       وبالأمل المرّجو قد خاب آمله 
وبالنظرة العجلى وبالعام ينقضي  
                            أواخره لا نلتقي وأوائله 
أما ( نصيب ) هذا الشاعر الأسود فله رأي أخر إذ يصور أنّ حياة العاشقين من هذا النمط الذي ابتلي به لا تشترى بدرهم واحد من كثرة ما يلاقون من عذابات وضنى حتى السلام على المحبوبة من بعيد يرصده الوشاة والعاذلون فتمتنع الحبيبة من التحية أو الإشارة وتكتفي بالدموع : 
وقفت لها كيما تمرّ لعلني             
                         أخالسها التسليم إن لم تُسلّم 
فلما رأتني والوشاة تحدّرت            
                     مدامعها خوفاً ولم تتكلم 
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري  
                    جميع حياة العاشقين بدرهم 
وإذا وصل العذريّ حدا الجنون طلب من حبيبته التخفيف وردّ شيء من العقل يعيش به سوياً من الناس فتأبى الحبيبة إلاّ قتله أو جنونه : 
إذا قلت ما بي يابثينة قاتلي              
                         من الحب قالت : ثابتٌ ويزيدُ 
وإن قلت : ردّي بعض عقلي أعش به  
                      مع الناس قالت :ذاك منك بعيدُ 
وتزوجت ليلى ( غير المجنون ) فكان ( قيس ) يسافر في المهامه والقفار ليراها عند زوجها ولو لدقيقة واحدة وكان زوجها يرق لحاله فيريه ( ليلى ) ويجلسها معه فيبقى هذا المسكين على ذكر هذا اللقاء سنة كاملة ! 
وفي لحظة يأس قاتلة يخاطب ( عروة ) غرابي دمنة الدار بعد هجر 
( عفراء ) له أن يأكلاه ويتخلص من عذابات هذا العشق . 
فهل رأيت عذاباً أكثر من هذا ؟ 
ألا ياغرابي دمنة الدار خبرّا     
            أبالهجر من ( عفراء ) تنتجيان 
فإن كان حقاً ما تقولان فاذهبا  
                  بلحمي إلى وكريكما فكلاني 
كُلاني أكلاً لم تر الناس مثله     
                   ولا تهضما جنبيّ وازدرداني 
ويصبح ( ابن الفارض ) كهلال الشك لا يكاد يرى ويكسب الشوق نصباً كما تنصب الأفعال ( لام كي ) على طريقة شعراء العصور الوسطى وعشق ( ابن الفارض ) عشق خاص يختلف عن عشق العذريين . 
نصباً أكسبني الشوق كما    
                تكسب الأفعال نصباً لام كي 
كهلال الشك إلاّ  أنّه          
                       أنّ عيني عينه لم تتأيْ 
والعاشق العذري لا يسلو أبداً في ليله ونهاره ، في يقظته وفي منامه في حلّه وترحاله ، فالحبيب حاضر معه دائماً لا يغيب عن باله دقيقة واحدة . 
وإذا وجدت لها وساوس سلوة   
             شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها  
حجبت تحيتها فقلت لصحبتي    
                    ما كان أكثرها لنا وأقلها  
في أربعينيات القرن الماضي وصل ( حماة ) طبيب شاب متخرج من الجامعة الأمريكية ( بيروت ) وكانت ( حماة ) آنذاك تفصل بين الرجال والنساء بحاجز حديدي لا يخترق فأنى لهذا الشاب المتوقد بالعشق أن يرى محبوباته فاضطر أن يكون شاعراً غذرياً ريثما ينكسر هذا الجدار فيقول : 
لي حقوق عليك يفرضها الحبّ  
                           وللحب شرعة وأصول 
فصليني بنظرة وحديثٍ          
                            وليفتني العناق والتقبيلُ 
ويميناً أرضى بومض لقاء      
                          وكثير هذا القليل القليلُ 
أليس هذا الشاعر المعاصر سليل ( جميل بثينة ) ؟ 
وفي لحظة ما يثور ( وجيه البارودي ) على هذا الجدار فيسترق اللذات في الخفاء وينقلب من صوفيته العذرية إلى الشهوانية عند انفلات الرقيب . 
قبلة في الخفاء تشعل ناراً     
                         في اشتهاء والجوّ ينفث رعبا 
هي عندي الحياة ياربُّ دعني 
                         ضارياً جامحاً مع الغيد ذئباً 
بعد هذا العرض ألا يحق لنا أن نقول : وراحمتاه لهؤلاء الشعراء العذريين! 
 
الفئة: 
المصدر: 
د . محمد الجمّال