من أدب الذكريات راوية البحر وشيخه ..الروائي الكبير حنا مينه في حماة

العدد: 
15819
التاريخ: 
الاثنين, 3 أيلول 2018
بمناسبة رحيل شيخ الرواية السورية  فقيد الأدب العربي حنا مينة   من مقالة كتبتها يوم زار حماة بدعوة من المطران حنا صليبا والدكتور راتب سكر رئيس المنتدى الأدبي الثقافي وقتذاك .
وقف الجميع احتراماَ , والتهبت الأكف تصفيقاَ لذلك الزائر القادم الذي هّمَّ بدخول قاعة الحفل , وقد بدا يتعثّر بخطواته الوئيدة  , لا ارتباكاَ أو تهيباَّ لذلك الحشد الغفير في الحفل , ولا لعثرة ربما صدفته بطريقه , إنما كان لواقع شيخوخة بدت عليه شاخصة ، كما ارتسمت دروب السنين على ظاهر جلد جبينه وكفيه , وبدا  يسحب قدمين حملت أثقال ذلك الجسد الواهن ثمانين عاماَ ونيف وسارت به في دروب لم تكن مفروشة بالفل والياسمين , دروب شقاء وأشواك وطفولة معذبة وفقر وشظف عيش , يمخر البحار بين جبال أمواجه , تتقاذفه شطآن موانىء بعيدة , وسط عواصف وليال سود , وسمك قرش وأهوال , وغربة ودموع، وهو كما قال  «لحمي نبت من لحم سمك البحر , ودمي ماؤه المالح , وكان صراعي مع القروش كان صراع حياة , وأما العواصف فقد نقشت على جلدي وشماَ «, إنه راوية البحر وشيخه , الأب الروحي للرواية السورية وصاحب أشجع وأعمق سيرة ذاتية في الأدب العربي , رائده الصدق , وحبر قلمه ينسكب دمعاً ويستمده دماً من جراحات قهر الأيام وأوجاع العمر وقحط السنين , يدبج كلماته على دفاتر أوراقها من شغاف القلوب , وصفحات الموج الهائج في ليالي العواصف , وخدود النساء الحزانى , ويروي حكاياته ليسمعها بشغف الفقير والأمير , لأنه كاتب الفرح والإنسانية , فزاده أفكار وكلمات وحادثات ليال وذكريات ينبشها من عقل الزمن , وهو لا يكتب إلا بما يؤمن به , هو كاتب الصدق , ويقول بعد أن وصل مقعده ورحب بالحاضرين ونفث دخان سيكارته .
 أيها السادة :
 إن الماثل أمامكم رجل نصف عاقل ونصف مجنون ويفضل نصفه المجنون على العاقل لأنه من بعض الجنون تتفتح العبقرية , أنا كاتب الكفاح , قاسيت الجوع ومرة وقفت أتسول ثمن الرغيف على باب المقبرة , وكم عملت أجيراً و أجيراً و أجيراً « سبّعت الكارات « , وكم طويت الليالي يعض بطني ناب الجوع , لكني ماأضعت وقتاً دون أن أخربش بقلمي على الورق أسكب دمعي وأقطر عواطفي ومشاعري خمراً أملأ به قدح أيامي السود . أنا الحجر الذي لفظه البناؤون فقضى الله لذلك الحجر أن يكون حجر الزاوية لصرح البناء. لقد حملت الناس معي فوق الموج وأخذتهم في كل أسفاري , فكان أدبي أدب التواصل بين الناس ليساعدهم ويمنحهم الرؤية بالحياة ويسير بهم نحو دروب المعرفة .
ويتابع فلسفته الخاصة في كلمات موجزة إنما هي درر وحكم ويقول : 
الحب مرض لذيذ , والحرية أسمى من الخبز , ماراعنا الدهر بالبلوى ولامرّها  قدر الأحبة حزن ما احتملناه .
المعرفة لها مصدران:  الكتب والناس , وما نعرفه من الناس أكثر صدقاً ويتابع قوله عن المرأة وما سمعت رجلاً أشد حماسة للمرأة منه فيقول : المرأة الجريئة لا تبالي , والمرأة هي التي صنعت التقدمية , وتحرر المرأة بالعلم والعمل , المرأة أوفى من الرجل . ثم يتوقف الكاتب الكبير ليتابع فلسفته للحياة فيقول : الحظ والعمل هما الحياة ويوصي أحد محبيه وقد طلب منه النصيحة فيكتب له من شعر شوقي : تؤخذ الدنيا غلاباً  ..
وهنا وبعد ساعة مع ضيف أبرشية حماة الكبير وفي قاعة كنيسة سيدة الدخول أنهى الكاتب المبدع بعضاً من محطات سيرة حياته , ومازال نشاطاً وحيوية واسمه يلمع بأحرف من نور في سجل المبدعين الخالدين العرب والعالميين  على مر الزمن ..
 
الفئة: 
المصدر: 
محمد مخلص حمشو