تراث :التعبير الأدبي في شواهد القبور

العدد: 
15820
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 أيلول 2018

  شدني وأنا أطالع في المجموعة الشعرية «شاهدة قبر» لصديقي الشاعر  رضوان السح مايفلسف فيها من  جماليات العلاقة بين الوجدان والوجود في شعر جميل راقٍ ..وفجأة شرد ذهني وجمح بي الخيال وخلت نفسي ذاك الصبي الذي عناه الشاعر في مجموعته وهو يقرأ شواهد القبور، وهنا حضرت صور مازالت ماثلة في خيالي عن شواهد قبور منها عندما كنت صغيراً ألعب مع اترابي لعبة الغميضه وأتخفى عنهم بين القبور في جامع المدفن القريب من بيتنا , كنت أخبئ رأسي وأغطيه بقنبازي وأكور جسمي الصغير خلف شاهدة عاليه لقبر ضخم ليس ككل القبور، كما أن الشاهدة عليه لم تكن كغيرها من الشواهد حيث توجت بطربوش عثماني دليل الباشوية وعليه لفة دليل رجل الدين الكبير المرتبة , وكان أترابي لايجرؤون على الولوج بين القبور مثلي .
إنهم يخافونها ، وكان البعض منهم قد صرح لي أنه يخشى أن ينهض الميت ويقبض عليه ويدسه معه في القبر لأنه أقلق راحته ،وكنت أضحك منهم وأفوز دائما ... وكم فتنت يافعاً بمشاهدة المدافن التدمرية أثناء رحلة مدرسية إلى تدمر ،كما كانت تأخذني الدهشة بنواويس اليونان والرومان وما عليها من زخارف وخاصة تلك المودعه بالمتاحف ومنها ناووس منطقة الرستن الذي تتجسد عليه ملحمة هوميروس في حصار طرواده ، وكم كنت أدهش بطقوس تحنيط المومياءات المصرية زمن الفراعنه، وقد شاهدتها في متاحف مصر.
 كنت لا أمل أسأل أمي عن شواهد القبور وأنا بصحبتها صغيراً يوم الخميس لزيارة المقابر: لماذا هذه الشاهدة عاليه وتلك صغيرة وهذه مزخرفة وعليها خط جميل وتلك بسيطة , كانت تكتفي بالرد وتقول هذه الشاهدة لقبر غني وتلك لفقير ثم تتابع ساخرة مني وتقول أنا أستغرب اهتمامك بالقبور وشواهدها ؟ وكم من مرة زرت القبور في مسجد الملخانه بحلب وكنت التقط صوراً لشواهدها لافتتاني بزخرفتها والحقيقة ان شواهد القبور ماهي الا زوايا صامته ولوائح تنفرد عليها كلمات الوداع ، أوقل هي الأوعية التاريخية التي تحمل جانباً يتعلق بتاريخ الشخصيات المدفونة  لتبين مكانتها ونسبها وفضائلها.
وترى بعضا من أصحاب القبور يتفننون بالأشكال والرموز المنقوشة عليها، فمنها ما تشير إلى جنس الراقد، كذلك إلى مهنته أيضاً، فإن كان بحاراً، توجد إشارة أو رمز أو شكل يدل على مهنته وقد شاهدتها حقا في أوديسا في حديقة النصب التذكاري على البحر الأسود من أوكرانيا ، وإن كان المتوفى كاتباً ويعيش على قلمه، تجد إشارة ترمز إلى هذا، مثل شكل لفائف الورق أو ريش كتابة أو قلم من القصب، وإن كان رساماً تجد شارة الريشة أو الملون، وإن كان عسكرياً ترى على شاهد قبره سيفاً أو مدفعاً أو خنجراً أو قذيفة مدفع أو منظاراً مقربا . وهذا فعلا يكثر في المدافن الغربية وقليل منها في المدافن الشرقية.على كل جرت العادة أن تحوي الشواهد آيات من الذكر الحكيم التي تذكر بالموت أو تلك التي تصور الجنة منازل الصاحين .
ويقودنا الحديث إلى أشهر ما كتب على شواهد القبور ومنها وصية المعري .فقد أوصى أن ينقش البيت التالي على شاهدة قبره:‏ هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد!‏
ومع ذلك لم تتحقق وصيته, لأن خصومه الذين حكموا عليه بالزندقة كانوا قد اقتلعوا الشاهدة وأما المجاهد السوري فخري البارودي، فقد أوصى أن تكتب على شاهدة قبره في مقبرة الباب الصغير بدمشق الأبيات التالية والتي تقول:‏ قفوا أيها الزوار قربي هنيهة وقولوا سلاماً أيها الميت الحر‏ .
‏ وأما ما نقش على قبر عبدالرحمن الكواكبي فبيت شعر يقول: قفوا وأقرؤوا أم الكتاب وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبي .
وكتب الشاعر محمد الماغوط‏، على ضريح زوجته:‏ هنا ترقد‏ آخر طفلة في التاريخ‏ الشاعرة الغالية‏ سنية صالح‏.
 أما عن توفيق إبن نزار قباني فقد كتب أبوه الشاعر على ضريح ابنه‏: أتوفيق كيف أصدق موت العصافير والأغنيات‏ .
وأن الجبين المسافر بين الكواكب مات‏ .
وأن الذي كان يخزن ماء البحار بعينيه مات‏ .
بأي اللغات سأبكي عليك?‏ وموتك ألغى جميع اللغات‏ .
ومن غرائب ماكتب على الشواهد ماحمله قبر أريبيوس الروماني، وهو  العبارة التالية: (أيها المار من هنا: كما أنت الآن كنت أنا، وكما أنا الآن ستكون أنت، فتمتع بالحياة لأنك فان).
 أما قبر ماكسميليان روبسبير جلاد الثورة الفرنسية، فنقش عليه ما يلي: (أيها المار من هنا: لا تحزن على موتي، فلو كنت أنا مكانك لكنت أنت مكاني).
 وأوصى شكسبير بدوره بأن تكتب هذه العبارة على قبره: (فليبارك الله من يحفظ هذه الأحجار، ويلعن ذلك الذي يحرك عظامي . أخيرا شئنا أم أبينا، وفي ذات يوم، غدا أو بعد غد؛ سواء أكنّا من علية القوم أو صغارها، سنترك ظاهر الأرض لنسكن باطنها ويوارى جسدنا التراب، فمنه خُلقنا وإليه نعود، ولن يبقى من معالم مسكننا الجديد سوى شاهدة قبر خُطَّ عليها: هذا قبر فلان ابن فلان ربمانفكّر في زحمة الحياة في انتقاء ما سيُنقش على شاهدة قبرنا لأننا غرقى في مشكلات الدنيا وأوجاع العمر.
 

الفئة: 
المصدر: 
محمد مخلص حمشو